وجود الماء ليلة عاشوراء ويومه في مخيّم الحسين “ع”!!

30 أغسطس 2020
281
ميثاق العسر

#خلافاً لما اشتهر في الأوساط الاثني عشريّة المعاصرة ببركة الملالي والوعّاظ ومنابرهم، فإنّ الحسين بن عليّ وأصحابه كانوا يمتلكون الماء في ليلة العاشر وربّما في يومه أيضاً؛ وذلك استناداً إلى مجموعة أدلّة وقرائن نذكر أهمّها: #الأول: نصّ المؤرّخون على أنّ الحسين بن عليّ “ع” أرسل أخاه العبّاس في يوم السّابع من المحرّم مع خمسين مقاتلاً […]


#خلافاً لما اشتهر في الأوساط الاثني عشريّة المعاصرة ببركة الملالي والوعّاظ ومنابرهم، فإنّ الحسين بن عليّ وأصحابه كانوا يمتلكون الماء في ليلة العاشر وربّما في يومه أيضاً؛ وذلك استناداً إلى مجموعة أدلّة وقرائن نذكر أهمّها:
#الأول: نصّ المؤرّخون على أنّ الحسين بن عليّ “ع” أرسل أخاه العبّاس في يوم السّابع من المحرّم مع خمسين مقاتلاً ما بين فارس وراجل، وزوّدهم بعشرين قربة، فذهبوا إلى الفرات وبعد اشتباكات بسيطة مع مانعيهم ملأوا القِرَب وعادوا سالمين غانمين إلى المخيّم، وهذا يعني توفّر الماء لديهم في تلك الفترة. [تاريخ الطّبري: ج5، ص412].
#الثّاني: نقل جملة من المؤّرّخين المتقدّمين وجملة من أعلام الإثني عشريّة المتقدّمين والّلاحقين حواراً حصل بين الحسين بن عليّ “ع” وأخته السيّدة زينب في ليلة العاشر من شهر محرّم، كان قد نقله لأبي مخنف راويان سمعاه من السجّاد “ع” مباشرة حسب المدّعى، وهو الحوار المشهور الّذي تمتم فيه الحسين “ع” بالأبيات الشّعريّة الّتي مطلعها: “يا دهر أفّ لك من خليل..إلخ”، وفي هذا الحوار نصّ على أنّ الحسين “ع” كان قد صبّ على وجه أخته الماء بعد أن خرّت مغشياً عليها، ومن الواضح: أنّ صبّه “ع” الماء على وجه أخته في ليلة العاشر من المحرّم دليل على توافره بمقدار ما لديهم، وليس كما يُشاع في الأوساط الإثني عشريّة المنبريّة من فقدانه بالمرّة في تلك السّاعات. [تاريخ الطّبريّ: ج5، 420؛ الإرشاد: ج2، ص93ـ94؛ تاريخ اليعقوبيّ: ج2، ص217، ط النّجف؛ الّلهوف: ص141ـ142].
#الثّالث: روى الطّبريّ المتوفّى سنة: “310هـ” في أحداث ليلة عاشوراء بإسناده عن أبي مخنف إنّه قال: «حدّثني عمرو بن مرة الجملي، عن أبي صالح الحنفي، عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري، قال: كنت مع مولاي، فلما حضر النّاس وأقبلوا إلى الحسين، أمر الحسين بفسطاط فضرب، ثمّ أمر بمسك فميث في جفنة عظيمة أو صحفة، قال: ثمّ دخل الحسين ذلك الفسطاط فتطلّى بالنورة، قال: ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبرير بن حضير الهمداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما، فازدحما أيّهما يطلي على أثره… فلما فرغ الحسين دخلنا فاطلينا، قال: ثمّ إنّ الحسين ركب دابته ودعا بمصحف فوضعه أمامه، قال: فاقتتل أصحابه بين يديه قتالا شديداً…». [تاريخ الطّبري: ج5، ص422ـ423]، ويظهر من عبارات ابن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” وشيخ المحدّثين المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” أنّ الطّلاء بالنّورة كان في يوم العاشر لا في ليلته. [الّلهوف: ص154؛ بحار الأنوار: ج45، ص1].
#وفي ضوء هذا الدّليل الثّالث ينبثق هذا السّؤال: إذا لم يكن للحسين بن عليّ “ع” وأصحابه ماء في تلك السّاعات الحرجة فكيف تمكّنوا من التنوّر والطّلاء؟!
#وهنا بادر بعض المعاصرين إلى إجابة مثل هذا الاعتراض الوجيه بدعوى: إمكان التّدبير في إجراء النّورة بحيث تزيل الشّعر ولا تحرق ولا تحتاج إلى الماء أيضاً!! وقد نقض عليه أحدهم ببيان: إنّ هذا الأمر وإن كان ممكناً عمليّاً من حيث اختلاط جسم يابس كالملح مع جسم يابس آخر كالزّاج فينتج رطوبة كالخمير باصطلاحهم… إلاّ أنّ‌ الظّاهر وجود ماء البئر لغير الشّرب وسائر الحوائج، بل ويمكن وجود الماء العذب أيضاً استناداً إلى رواية الصّدوق الّتي سنتحدّث عنها لاحقاً. [الإمام الحسين وأصحابه، فضل الله القزويني: ج1، ص288ـ298، تحقيق: أحمد الحسيني].
#أقول: رغم أنّ مفردة “الميث” الواردة في الرّواية لا تتناسب لغويّاً إلّا مع الماء، ولهذا قالوا: «وكلّ شي‏ء مرسته في الماء فذاب فيه، من زعفران وتمر وزبيب وأقط، فقد مثته وميّثته». [لسان العرب: ج2، ص192]، لكنّ ما قاله من وجود ماء صالح للشّرب هو الأقوى وفقاً لما تقدّم من نصوص، على أنّ وجود ماء غير صالح للشّرب لا يبرّر ما يُشاع وما يُتناقل وما تُستدرّ العواطف عن طريقه من فقدان الحسين “ع” وأطفاله الماء لثلاثة أيّام متوالية؛ فالإنسان المضطرّ الّذي تتوقّف حياته على شرب ما لا يصلح يشرب ولا تثريب عليه بل يجب عليه ذلك من باب حفظ النّفس، ولا اعتقد أنّ هذا يخفى على أمثال الحسين بن عليّ “ع” وأصحابه، فتفطّن!!
#ولكن يبقى السّؤال المقلق قائماً: بغضّ الطّرف عن مبرّرات استخدام النّورة في ذلك الوقت، لكنّ المفترض بالقائد ـ إذا كان يتحسّب لمعركة يُمنع فيها أطفاله ونساؤه وأصحابه فيها من الماء ستقوم بعد ساعات ـ أن يخزّن الماء ويحتفظ به للسّاعات الحرجة، لا أن يصرفه في أشياء تجمّليّة ثانويّة، الّلهم إلّا أن يُقال: إنّ الماء كان موجوداً بوفرة بحيث إنّ صرف قسم منه في التنوّر والطّلاء لا يضرّ بالمخزون، وهذا الأمر ترجّحه الشّواهد التّالية:
#الأوّل: في أحداث ليلة العاشر روى الصّدوق المتوفّى سنة: “381هـ” بإسناده الصّحيح عنده عن عبد الله بن منصور إنّه قال: «سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين “ع”، فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول الله “ص”؟ فقال: حدّثني أبي، عن أبيه‏… [في رواية طويلة إلى أن يقول]: «وأرسل عليّاً ابنه “ع” في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ليستقوا الماء، وهم على وجل شديد، وأنشأ الحسين “ع” يقول: يا دهر أفّ لك من خليل… ثمّ قال لأصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم، وتوضئوا، واغتسلوا، واغسلوا ثيابكم؛ لتكون أكفانكم، ثمّ صلّى بهم الفجر، وعبأهم تعبئة الحرب، وأمر بحفيرته الّتي حول عسكره فأضرمت بالنّار؛ ليقاتل القوم من وجه واحد». [الأمالي: ص157]، وهذه الرّواية تكشف عن وجود الماء في ليلة عاشوراء وصباحه أيضاً.
#الثّاني: حكى شيخ المحدّثين الاثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ”، عن كتاب النّوادر لعليّ بن إسباط، عن بعض أصحابه قوله: «إنّ أبا جعفر [الباقر] “ع”قال: كان أبي [السجّاد] مبطوناً يوم قتل أبو عبد الله الحسين بن علي “ع”، وكان فى الخيمة، وكنت أرى موالياتنا كيف يختلفون معه يتبعونه بالماء [!!]، يشدّ على الميمنة مرّة، وعلى الميسرة مرّة، وعلى القلب مرّة، ولقد قتلوه قتلة نهى رسول الله “ع” أن يُقتل بها الكلاب، ولقد قُتل بالسّيف؛ والسّنان؛ وبالحجارة؛ وبالخشب؛ وبالعصى، ولقد أوطأه الخيل بعد ذلك». [بحار الأنوار: ج45، ص91]، وهذا الخبر يكشف عن وجود الماء حتّى في الّلحظات الأخيرة من المعركة، والله العالم.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ دعوى عدم وجود ماء في مخيّم الحسين بن عليّ “ع” في ليلة عاشوراء أمر لا تقرّره النّصوص المعتمدة، وإنّ فقدان الماء قد يكون قبيل بدء المعركة ظهيرة عاشوراء، ولهذا جاء في خطاب الحرّ بن يزيد بعد انتقاله إلى معسكر الحسين “ع”: «وحلأتموه ونساءه وأصيبيته وأصحابه عن ماء الفرات الجاري الّذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرّغ فيه خنازير السّواد وكلابه، وها هم أولاء قد صرعهم العطش». [تاريخ الطّبري: ج5، ص428؛ الإرشاد: ج2، ص100]، وقد عرفت أين صُرفت تلك الكميّات من الماء آنفاً فتأمّل.
#نعم؛ لا شكّ في أنّ المقاتل الشّجاع الشّهم النّبيل في الّلحظات الأخيرة من حياته وهو يبتعد عن خيامه ويُثخن بالجراحات يطلب الماء دون شكّ وريب لإتمام قتاله، ومن الطّبيعي أن يتمنّع قاتلوه غير النّبلاء عن سقيه بغية الفتك به، لكنّ هذا مطلب آخر غير ما تُصوّره المنابر بعرضها العريض من دعوى عدم توفّر الماء أيّاماً عدّة في مخيّم الحسين بن عليّ “ع”؛ إذ قد عرفت أنّ النّصوص الرّوائيّة الثّابتة عندهم تدحض ذلك، فتفطّن كثيراً لا لرسم صورة ورديّة عن معسكر أعداء الحسين “ع” كما قد يتوهّم بعض السُذّج والجهلة وهم يقرؤون هذه الإثارات الجادّة والمبرهنة، وإنّما لتعرف حجم التّزييف والتّسطيح المبرمج والّذي أتلف جزءاً كبيراً من وعيك وعقلك، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الحسين_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...