هل للحسين بنتاً اسمها: (رقيّة)؟

15 مارس 2013
3966
ميثاق العسر

وقع الكلام بين علماء الرجال في حال محمد بن سنان، فوثّقه بعض وضعّفه آخرون؛ وتوقّف نزر يسير فيه، وبغية الاطلاع على مرتكزات التوثيق والتضعيف التي اعتمدتها البحوث الرجالية، ولكون هذه المرتكزات سيّالة الاستخدام في عموم التقييمات، سنقف بشيء من الإيجاز لتفحّصها ورؤية صحتها وسقمها، على أن نشير إلى أن الرأي الأخير في وثاقة وتضعيف هذا الرجل يحتاج إلى دراسات أعمق وأشمل، وما طُرح في هذه المقالة هو قراءة غير نهائيّة.


إن عملية تشذيب القضية الحسينية من بعض الوقائع التي لا تستند إلى مستند تأريخي معتبر مسألة نادى بها الكثير من المصلحين، لكنها لم تلقى رواجاً يذكر، بل بقيت الفجوة تزداد يوماً بعد يوم من دون أن نشاهد تضحية وفداءً في هذا الطريق…والذي يهون الخطب أننا نقرأ بين الفينة والأخرى صيحات تُسكن جراحنا، متأملين أن تهب رياح التغيير على عموم منظومتنا الفكرية.
أما بخصوص ما طرحتم من سؤال فقد رأينا ضرورة نقل ما ذكره صاحب كتاب (الصحيح من مقتل سيد الشهداء وأصحابه عليهم السلام) في خصوص هذا الموضوع؛ لكونه من أفضل من أشبع هذا الموضوع دراسةً وتحليلاً بغض النظر عن ما يمكن إيراده من ملاحظات.
قال في خصوص هذا الموضوع:
هناك ملاحظات فيما يتعلّق بانتساب بنت تدعى رقيّة إلى الإمام الحسين عليه السلام، وكذا في كيفية وفاتها في الشام، وفي المرقد المنسوب إليها أيضاً، ومن المناسب أن يخضع كلّ منها للدراسة بشكل مستقلّ :
1ـ انتساب بنت باسم رقية إلى الإمام عليه السلام
لم تذكر المصادر القديمة والمعتبرة الّتي أحصت أولاد الإمام الحسين عليه السلام بنتا للإمام اسمها رقيّة ، بل ذكرت ابنتين له تدعيان فاطمة وسكينة، وذكر بعضٌ منها بنتا ثالثة اسمها زينب(1)،وحتى العلّامة المجلسي في بحار الأنوار (2) والمحدّث الجليل المعاصر الشيخ عبّاس القمّي في مؤلّفاته لم يشيرا إلى اسم رقية باعتبارها ابنة للإمام عليه السلام .
وذكر ابن طلحة (المتوفّى 654 هـ ) في كتاب مطالب السؤول (3) أنّ عدد أولاد الإمام الحسين عليه السلام يبلغ عشرة: ستّة أبناء وأربع بنات، ولم يذكر خلال التعريف بالبنات سوى أسماء ثلاثة، هنّ: فاطمة وسكينة وزينب، وقد نقل مؤلّف كشف الغمّة (4) هذه المعلومة نفسها من مطالب السؤول .
وفي حدود ما تدلّ عليه دراستنا فإنّ الشخص الوحيد الذي ذكر للإمام الحسين عليه السلام أسماء أربع بنات هو النسّابة المعروف في القرن السادس ابن فندق البيهقي (المتوفّى 565 هـ ) ، حيث أورد في لباب الأنساب أسماء بناته كالتالي :
۱ . فاطمة، اُمّها اُمّ إسحاق بنت طلحة.
۲ . سكينة، اُمّها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي.
۳ . زينب ـ ماتت صغيرة ـ اُمّها شهربانو بنت يزدجرد.
۴ . اُمّ كلثوم ـ ماتت صغيرة ـ اُمّها شهربانو بنت يزدجرد(5).
وكما نلاحظ فإنّه لم يذكر رقيّة خلال إحصائه لبنات الإمام عليه السلام ، رغم أنّه ذكر أنّ عددهنّ يبلغ أربعا، ولكنّه يكتب في بيانه للأولاد الذين تبقّوا من ذرّية الإمام قائلاً :
… ولم يبق من أولاده ـ يعني الحسين عليه السلام ـ إلاّ زين العابدين عليه السلام وفاطمة وسكينة ورقيّة (6).
ومن الممكن أن يقال : إنّ رقيّة هي نفسها اُمّ كلثوم ، ولكن هذا الاحتمال لا ينسجم مع جملة «ولم يَبقَ من أولاده…» ؛ ذلك لأنّ هذه العبارة تشعر بأنّ رقيّة عاشت لسنوات طويلة بعد حادثة كربلاء والأسر إلى الشام، مثل فاطمة وسكينة. إلّا إذا قلنا: إنّه يقصد المتبقين بعد يوم عاشوراء .
وأمّا النقل الآخر الذي يشير إلى اسم رقيّة، فهو ما جاء في بعض نسخ كتاب الملهوف من أنّ الإمام الحسين عليه السلام قد قال لأهل بيته:
يا أُختاه، يا أُمَّ كُلثومٍ، وأنتِ يا زَينَبُ، وأنتِ يا رُقَيَّةُ ، وأنتِ يا فاطِمَةُ ، وأنتِ يا رَبابُ، اُنظُرنَ إذا أنَا قُتِلتُ فَلا تَشققُنَ عَلَيَّ جَيباً، ولا تَخمِشنَ عَلَيَّ وَجها، لا تَقُلنَ عَلَيَّ هَجراً(7).
ويمكن القول بشأن هذه الرواية:
أوّلاً: إنّ هذا النصّ لا يوجد في الكثير من نسخ الملهوف .
ثانياً: لا توجد في الرواية المذكورة إشارة إلى أنّ رقية هي ابنة الإمام عليه السلام .
ثالثاً: من المحتمل أن يكون المخاطَب بهذا الكلام هي رقية بنت الإمام علي عليه السلام ، وزوجة مسلم بن عقيل(8) ؛ لأنّ أولاد مسلم كانوا يرافقون الإمام، ومن المحتمل قويا حضور زوجته أيضا في كربلاء .
۲ . وفاة ابنة للإمام الحسين عليه السلام في خربة الشام
1/2 . رواية كامل بهائي
تظهر الدراسات أنّ أوّل كتاب ذكر حادثة استشهاد طفلة في الشام هو كتاب كامل بهائي (بالفارسية) لعمادالدين الطبري ( المتوفّى حوالي ۷۰۰ هـ) ، وهذا هو ترجمة ما ذكره :
جاء في الحاوية(9) أنّ نساء أهل بيت النبوّة كنّ يخفين في حال الأسر أمرَ الرجال الذين كانوا قد استشهدوا في كربلاء على أبنائهنّ وبناتهنّ ، وكنّ يعلّلن الأطفال بأنّ آباءهم قد سافروا وسيعودون ، حتّى جيء بهم إلى بيت يزيد، وكانت هناك طفلة صغيرة عمرها كان أربع سنوات ، استيقظت ذات ليلة من نومها وسألَت : أين أبي الحسين ؛ فقد رأيتُه في المنام في هذه الساعة وقد بدا عليه الاضطراب الشديد؟! فأجهشَت النساءُ والأطفال بالبكاء ، وارتفع العويل والبكاء ، وكان يزيد نائماً فاستيقظ من النوم، وسأل عن ذلك، فأخبروه بما حدث، فأمر اللعين في الحال أن يؤخذ رأس أبيها ويوضع إلى جانبها ، فأتى الملاعين بالرأس ووضعوه إلى جانب تلك الفتاة الّتي لها من العمر أربع سنوات، فسألت: ما هذا؟ فقال الملاعين: هذا رأس أبيكِ، فخافت البنت وصرخت وتألّمت ، فلم تبق إلّا أيّاما قليلة وفاضت روحها(10).
وهذا النصّ يختلف في بعض الجهات عمّا اشتهر بشأن وفاة السيّدة رقية ؛ ذلك لأنّ اسم البنت لم يحدّد في هذا النصّ، وذكر أنّ عمرها كان أربع سنوات لا ثلاث، واعتبر موضع وفاتها بيت يزيد لا الخربة ، وذكر أنّ وفاتها كانت بعد بضعة أيّام من رؤية رأس الإمام الحسين عليه السلام لا عند رؤيته .
2/2 . رواية روضة الشهداء
الذي أورد هذه الحادثة بعد عماد الدين الطبري على ما وجدنا هو الملّا حسين الكاشفي السبزواري (المتوفّى ۹۱۰ هـ) في كتابه روضة الشهداء (بالفارسية) ، وقد ذكرها بتفصيل أكثر، ولكنّه لم يذكر هو أيضا اسم الطفلة ، وحدّد عمرها بأربع سنوات أيضا ، وذكر أنّ قصر يزيد هو مكان وقوع الحادثة ، ويضيف :
عندما رفعت المنديل رأت رأسا موضوعا في ذلك الطبق، فتناولت الرأس وأمعنت النظر فيه فعرفت أنّه رأس أبيها ، فشهقت ومسحت برأسها على وجه أبيها ، ووضعت شفتيها على شفتيه ، وفاضت روحها في الحال(11).
وممّا يجدر ذكره أنّ وفاة الطفلة كانت ـ استنادا إلى هذه الرواية ـ في نفس الليلة الّتي رأت فيها رأس أبيها . ولذلك فإنّ الاختلاف الرئيس لهذه الرواية عن رواية عماد الدين الطبري ينحصر في هذا الأمر الذي انتقل إلى الكتب اللّاحقة أيضاً.
2/3 . رواية المنتخب للطريحي
ويروي فخرالدين الطريحي (المتوفّى ۱۰85 هـ) ـ بعد الملّا حسين الكاشفي ـ القصّة في كتاب المنتخب مع بعض الاختلافات، ونورد فيما يلي قسما من نصّ المنتخب:
روي أنّه لمّا قدم آل اللّه وآل رسوله على يزيد في الشام أفرد لهم دارا ، وكانوا مشغولين بإقامة العزاء ، وإنّه كان لمولانا الحسين عليه السلام بنتا عمرها ثلاث سنوات… فجاؤوا بالرأس الشريف إليها مغطّى بمنديل ديبقي ، فوضع بين يديها وكُشف الغطاء عنه، فقالت: ما هذا الرأس؟ قالوا لها : رأس أبيكِ، فرفعته من الطشت حاضنة له وهي تقول: يا أباه ، من ذا الذي خضبك بدمائك؟ يا أبتاه ، من ذا الذي قطع وريدك؟ يا أبتاه ، من ذا الذي أيتمني على صغر سنّي؟ يا أبتاه ، من بقي بعدك نرجوه؟ يا أبتاه ، من لليتيمة حتّى تكبر؟ يا أبتاه ، من للنساء الحاسرات؟ يا أبتاه ، من للأرامل المسبيات؟ يا أبتاه ، من للعيون الباكيات؟ يا أبتاه ، من للضائعات الغريبات؟ يا أبتاه ، من للشعور المنشّرات؟ يا أبتاه، من بعدك وا خيبتنا؟ يا أبتاه، من بعدك وا غربتنا؟ يا أبتاه، ليتني كنت الفدى، يا أبتاه، ليتني كنت قبل هذا اليوم عمياء ، يا أبتاه ، ليتني وسِّدت الثرى ولا أرى شيبك مخضّبا بالدماء .
ثمّ إنّها وضعت فمها على فمه الشريف وبكت بكاءً شديدا حتّى غشي عليها، فلمّا حرّكوها فإذا بها قد فارقت روحها الدنيا(12).
الجدير بالذكر أنّ هذا المصدر هو أوّل مصدر معروف ذكر أنّ عمر الطفلة ثلاث سنوات، كما أنّه أوّل مصدر ذكر حديثها مع الإمام بشكل مفصّل ، ولكنّه لم يذكر شيئا حول اسمها .
2/4 . رواية أنوار المجالس
في أواخر القرن الثالث عشر ذكر شخص يُدعى محمّد حسين الأرجستاني في كتاب أنوار المجالس(13)، القصّة بشكل آخر، وهذا نصّ ما ذكره :
لم يكن لأهل البيت في تلك الليالي شمع ولا مصباح، ولا طعام ولا شراب، ولا فراش ولا ثياب، وقد عمَّهم الحزن ، وكانوا مشغولين في إقامة العزاء على شهداء كربلاء ، حتّى أجهشت السيّدة زبيدة ابنة سيّد الشهداء في البكاء في إحدى الليالي على فراق أبيها ، وكان عمرها ثلاث سنوات… . (14).
وتشير الدراسات إلى أنّ هذه الرواية هي أوّل رواية طرحت اسم الطفلة وعرفتها بزبيدة ، واعتبرت محلّ الحادثة خربة الشام .
ويقول الكاتب قبل ذلك وفي الصفحة السابقة مشيرا إلى خربة الشام:
تذكّرتُ غرباء خربة الشام، أوَ لم يكن أهل البيت الذين هم خير الأنام غرباء في خربة الشام ؟ أوَ لم تكن سكينة ورقيّة طفلتي الحسين عليه السلام ؟ فلماذا لم يتكلّم أحد بكلمة يعزّي فيها هؤلاء الغرباء رغم معاناتهم من فقد الأب والأخ؟!
وهكذا فإنّه ـ حسب ما توصّلنا إليه ـ أوّل كتاب يذكر ابنة للإمام الحسين عليه السلام في خربة الشام باسم رقيّة. وبالطبع فإنّه لا يذكر شيئا عن مصيرها ، ويسجّل حادثة شهادة الطفلة باسم زبيدة.
ومن الممكن أن تكون هذه الرواية قد هيّأت الأرضية للروايات اللّاحقة بشأن اسم الطفلة الّتي توفّيت في خربة الشام .
2/5 . رواية شعشعة الحسيني
في أوائل القرن الرابع عشر ذكر الشيخ محمّد جواد اليزدي في كتاب شعشعة الحسينية(15):
نُقل أنّ طفلة للإمام الحسين عليه السلام رحلت عن هذه الدنيا في خربة الشام بسبب رؤية رأس أبيها ، ولكنّ هناك اختلافا بشأن اسمها ، هل هي زبيدة، أم رقيّة، أم زينب، أم سكينة؟ (16).
كما ذَكَر في الصفحات التالية نقلاً عن كتاب رياض الأحزان أنّ اسم هذه المخدّرة كان فاطمة(17).
وقد طُرحت في هذه الرواية عدّة أسماء لهذه الطفلة المتوفّاة في الشام، منها رقيّة .
2/6 . رواية الإيقاد
بعد بضع سنوات، ذكر شخص يُدعى محمّد عليشاه عبد العظيمي (المتوفّى ۱۳۳4 ه ) في كتاب الإيقاد لأوّل مرّة وبصراحة اسم الطفلة ، محدّدا عمرها بثلاث سنوات، وهذا هو نصّ ما ذكره :
كان للحسين عليه السلام بنت صغيرة يحبّها وتحبّه ، وقيل: كانت تُسمّى رقيّة ، وكان عمرها ثلاث سنين ، وكانت مع الأسرى في الشام…(18).
كان هذا استعراض ما ذُكر حول وفاة بنت للإمام الحسين عليه السلام في الشام.
حقيقة المرقد المنسوب إلى السيدة رقية عليها السلام.
3/1 . رواية تسلية المجالس
تعود أوّل وثيقة وصلتنا بشأن المرقد الحالي ، إلى القرن العاشر الهجري ، وما ذكره محمّد بن أبي طالب الحائري الكركي (كان حيّا في ۹۵۵ ه ) ، في كتاب تسلية المجالس :
لقد شاهدتُ في … بلدة دمشق الشام، شرقيّ مسجدها الأعظم خربة ـ كانت فيما تقدّم مسجدا ـ مكتوب على صخرة عتبة بابها أسماء النبيّ وآله والأئمّة الاثني عشر عليهم السلام ، وبعدهم: هذا قبر السيّدة ملكة بنت الحسين عليه السلام ابن أمير المؤمنين(19).
3/2 . رواية نور الأبصار
ذكر الشبلنجي في القرن الثالث عشر في كتاب نور الأبصار(20) حول هذا المرقد قائلاً:
وقد أخبرني بعض الشوام أنّ للسيدة رقيّة بنت الإمام عليّ كرّم اللّه وجهه ضريحا بدمشق الشام ، وإنّ جدران قبرها كانت قد تعيّبت ، فأرادوا إخراجها منه لتجديده فلم يتجاسر أحد أن ينزله من الهيبة ، فحضر شخص من أهل البيت يُدعى السيّد ابن مرتضى ، فنزل في قبرها ، ووضع عليها ثوبا لفّها فيه وأخرجها ، فإذا هي بنت صغيرة دون البلوغ ، وقد ذكرت ذلك لبعض الأفاضل فحدّثني به ناقلاً عن أشياخه(21).
وقد نصبت هذه الرواية على أنّ رقيّة بنت عليّ عليه السلام صاحبة المرقد ، وهي أوّل رواية أشارت إلى موضوع تعيّب القبر .
3/3 . رواية منتخب التواريخ
في النصف الأوّل من القرن الرابع عشر ذكر الشيخ محمّد هاشم الخراساني (المتوفّى ۱۳۵۲ ه ) في كتاب منتخب التواريخ (بالفارسية)(22) قصّة تضرّر القبر بتفصيل أكثر ، فضلاً عن أنّه اعتبر هذا القبر لرقيّة بنت الحسين عليه السلام ، وهذا ترجمة روايته :
وقد قال لي العالم الجليل الشيخ محمّد علي الشامي ـ الذي كان من جملة العلماء والدارسين في النجف الأشرف ـ : إنّ جدّي المباشر من طرف الاُمّ السيّد إبراهيم الدمشقي الذي ينتهي نسبه إلى السيّد المرتضى علم الهدى ـ وكان عمره الشريف ينيف على التسعين ، وكان رجلاً شريفا ومحترما للغاية ـ كانت له ثلاث بنات ولم يكن له أولاد ذكور، بأنّ ابنته الكبرى رأت في المنام السيّدة رقيّة بنت الحسين عليه السلام وهي تقول : «قولي لأبيكِ أن يقول للوالي إنّ الماء جرى بين قبري ولحدي ، وإنّ جسمي قد تأذّى ، فقولي له أن يصلح قبري ولحدي» .
فقصّت ابنته الحلم على السيّد ، ولكنّه لم يعمل شيئا خوفا من أهل السنّة . وفي الليلة التالية رأت ابنة السيّد الوسطى الحلم نفسه وقصّته لأبيها ، فلم يفعل شيئا في هذه المرّة أيضا، وفي الليلة الثالثة رأت ابنة السيّد الصغرى الحلم ذاته وقصّته على الأب ، فلم يحرّك ساكنا في هذه المرّة أيضا، وفي الليلة الرابعة رأى السيّد نفسه السيّدة رقيّة في منامه وهي تعاتبه قائلة: «لماذا لم تخبر الوالي؟» . فاستيقظ السيّد ، وفي الصباح ذهب إلى والي الشام ونقل منامه إليه .
فأمر الوالي أن يخرج علماء الشام وصلحاؤها من السنّة والشيعة ، ويغتسلوا ويرتدوا أنظف ثيابهم ، وأن ينبش قبر السيّدة رقيّة المقدّس كلّ من انفتح له قفل باب الحرم ، ويستخرج جثمانها الطاهر كي يُعمّر قبرها المطهّر . فأدّى كبار الشيعة والسنّة وصلحاؤهم آداب الغسل وارتدوا الملابس النظيفة ، فلم ينفتح القفل لأيٍّ منهم إلاّ على يد السيّد ، وبعد أن تشرّفوا بالدخول في وسط الحرم لم تؤثر معاولهم في الأرض إلّا معول السيّد، ثمّ أخلوا الحرم وشقّوا اللّحد ، فرأوا أنّ الجثمان الطاهر لهذه المخدّرة بين لحدها وكفنها صحيح وسالم ، غير أنّ ماءً كثيرا تجمّع في وسط اللّحد ، فاستخرج السيّد جثمان المخدّرة الشريف من وسط اللّحد ووضعه على ركبتيه ، وأبقاه لثلاثة أيّام على ركبتيه وهو يبكي بشكل متواصل ، حتّى أصلحوا لحد المخدّرة من الأساس ، وعندما كان يحين وقت الصلاة كان السيّد يضع جثمان المخدّرة على شيءٍ نظيف ثمّ يرفعه بعد الفراغ من ذلك ويضعه على ركبتيه ، حتّى فرغوا من تعمير القبر واللّحد ، فدفن السيّد جثمان المخدّرة . وبفضل كرامة هذه المخدّرة ومعجزتها كان السيّد خلال الأيّام الثلاثة في غنى عن الطعام والماء وتجديد الوضوء، وعندما أراد أن يدفنها دعا اللّه أن يرزقه ولدا ، فاستجاب اللّه له ورزقه على كبره ذكرا سمّاه مصطفى.
ثمّ إنّ الوالي كتب فيما بعد القصّة بالتفصيل إلى السلطان عبدالحميد، فأوكل إليه سدانة مرقد السيّدة زينب ، والمرقد الشريف للسيّدة رقيّة ، والمرقد الشريف لاُمّ كلثوم وسكينة ، ويتولّى الآن السيّد الحاج عبّاس ابن السيّد مصطفى ابن السيّد إبراهيم السابق الذكر إدارة هذه العتبات المقدّسة (انتهى).
ويبدو أنّ هذه القضية حدثت في حدود عام ألف ومئتين وثمانين(23).
وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ما جاء في هذه الرواية ـ من أنّ الوجهاء وعلماء الشيعة والسنّة شهدوا هذه الحادثة ـ فإنّ الملاحظة الّتي تستحقّ الاهتمام هي : لماذا لم ينقل أحد هذه الحادثة المهمّة سوى المتولّين للمشهد المذكور ، رغم وجود الدواعي الكثيرة إلى نقل هذه الحوادث وتسجيلها(24)؟ فنحن نلاحظ أنّ شخصية مثل السيّد محسن الأمين لم يشر إلى هذه الحادثة في روايته ، رغم أنّه كان متواجدا في المنطقة، بل إنّه كتب حول هذا المرقد قائلاً :
رقيّة بنت الحسين عليه السلام يُنسب إليها قبر ومشهد مزور بمحلّة العمارة من دمشق، اللّه أعلم بصحّته، جدّده الميرزا علي أصغر خان وزير الصدارة في إيران عام ۱۳۲۳ ، وقد أرَّختُ ذلك بتاريخ منقوش فوق الباب أقول فيه من أبيات:
لَهُ ذو الرُّتبَةِ العُليا عَليٌّوَزيرُ الصَّدرِ في إيرانَ جَدَّدْ وَقَد أرَّختُها تَزهو سَناءًبِقَبرِ رُقَيَّةٍ مِن آلِ أحمَد.
وعلى هذا، فإنّ من غير الممكن إبداء رأي حاسم حول موضوع هذه الدراسة استناداً إلى المصادر الروائية والتاريخيّة، ولكنّ الكرامات الّتي شوهدت وتشاهد من هذا المرقد المبارك تؤيّد مكانته المعنوية . وعلى أيّ حال ، فإنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ تعظيم هذا المشهد المنسوب إلى أهل البيت عليهم السلام واجب وضروري، ولكن نظراً إلى أنّ التفاصيل المتعلّقة بوفاة السيّدة رقيّة لم ترد في أيٍّ من المصادر المعتبرة، فإنّ ذكر مصائبهم يجب أن يكون مستنداً إلى المصادر الّتي سبقت الإشارة إليها، وإيكال صحّة المعلومات أو سقمها على عهدة الراوي)
انتهى ما أوردنا مفصلاً من كتاب الصحيح من مقتل سيد الشهداء وأصحابه عليهم السلام حول هذا الموضوع، ونختتم كلامنا ما أورده صاحب هذا الكتاب في مقدمته تحت عنوان: ضرورة إعادة النظر في تأريخ عاشوراء:
(إنّ القابلية الثقافية الواسعة لتاريخ عاشوراء ومكانتها الخاصّة في العالم الإسلامي وخاصّة عند أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، يستوجبان أن يخضع موضوع النهضة الحسينيّة للبحث والدراسة الدقيقة من قبل أقدر العلماء والخبراء، باعتباره أحد أهمّ قضايا المذهب الشيعي في الحوزات العلميّة ، وعلى الخبراء العارفين بالكتاب والسنّة وتاريخ أهل البيت تبيين وتفسير الأبعاد المختلفة والمعبّرة لملحمة الهدى والسعادة هذه ، من خلال جمع الروايات التاريخيّة ، وتقييمها وتحليلها للوصول إلى النتائج المطلوبة .
ولكن يجب القول ـ وبكلّ أسف ـ : إنّ عدم الاهتمام المناسب من قبل الحوزات العلميّة والشخصيّات العلميّة الكبيرة بهذه القضية البالغة الأهمّية من جهة ، وارتباط إقامة مجالس العزاء على سيّد الشهداء بتأمين أسباب العيش لعدد من منشدي المراثي من جهة اُخرى ، أدّيا إلى أن تَحلّ إثارة عواطف الناس في الكثير من مجالس العزاء محلَّ بيان الأهداف السامية للنهضة الحسينيّة ، وبذلك لم تشِع الروايات الضعيفة والفاقدة للأساس والتي يقوى فيها الجانب العاطفي ـ وإن كانت منافية لشأن أهل البيت ومنزلتهم ـ فحسب ، بل ـ كما يقول الاُستاذ الشهيد المطهري ـ : إنّه ومن خلال الاستدلال بأنّ «الغاية تبرّر الوسيلة» على قاعدة ماكيا فلي مهّدوا الطريق لا نتحال الكذب في إنشاء المراثي.
ــــــــــــ
(1)راجع : ص۲۲۳ (الأولاد) .
(2) بحار الأنوار : ج 45 ص ۳۲۹ .
(3)راجع : ص۲۲4 ح۱۸4 .
(4)كشف الغمّة : ج ۲ ص 250 .
(5)راجع : ص ۲۲۵ ح 186 .
(6)راجع : ص ۲۲6 ح ۱۸۷ .
(7) الملهوف : ص ۱4۱ .
(8) راجع : ج ۳ ص ۱۸۷ (القسم السابع / الفصل الرابع / شهادة مسلم بن عقيل) وج 5 ص ۱۸5 (القسم التاسع / الفصل السادس / كلام حول الأسرى ومن تبقّى بعد واقعة كربلاء) .
(9) الظاهر أنّ المراد : كتاب الحاوية للقاسم بن محمّد بن أحمد السنّي (الفوائد الرضويّة : ص ۱۱۲) .
(10)الظاهر أنّ المراد : كتاب الحاوية للقاسم بن محمّد بن أحمد السنّي (الفوائد الرضويّة : ص ۱۱۲) .
(11) كامل بهائي «بالفارسيّة» : ج ۲ ص ۱۷۹ .
(12) المنتخب للطريحي : ص ۱۳6.
(13) بدأ تأليف هذا الكتاب عام ۱۲۸۰ هـ.
(14) أنوار المجالس «بالفارسيّة» : ص ۱6۱ .
(15) بدأ تأليف هذا الكتاب عام ۱۳۱۹ هـ .
(16)شعشعة الحسيني «بالفارسيّة» : ج ۲ ص ۱۷۱ .
(17)شعشعة الحسيني «بالفارسيّة» : ج ۲ ص ۱۷3 .
(18) الإيقاد : ص ۱۷۹ .
(19) تسلية المجالس : ج ۲ ص ۹۳ .
(20) فرغ من تأليفه في ۱۲۹۰ هـ .
(21) نور الأبصار : ص ۱۹۵ .
(22) فرغ من تأليفه في 1349 هـ .
(23)منتخب التواريخ «بالفارسيّة» : ص ۳۸۸ .
(24) علماً أنّ اثنين من السلاطين لعثمانيين كانوا بهذا الاسم : عبدالحميد الأوّل (۱۱۸۷ ـ ۱۲۰۳ ه . ق) وعبدالحميد الثاني (۱۲۹۳ ـ ۱۳۳۷ ه . ق) وزمان حكومتهما لم يكن في حدود عام ۱۲۸۰ الوارد في متن كتاب منتخب التواريخ .


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...