هل خرجت فدك من ملكيّة الرّسول في حياته إلى فاطمة؟!

31 ديسمبر 2020
287
ميثاق العسر

#بعد أن عرفنا طبيعة الآليّة الّتي انتقل فيها بستان فدك إلى ملكيّة الرّسول، وعرفنا أيضاً كيف سيتحوّل مسار البحث حينما نفترض دخول هذا البستان إلى ملكيّة الرّسول بشخصيّته الحقيقيّة أو شخصيّته الحقوقيّة، ينبثق حينها سؤال هامّ آخر هو: هل خرجت ملكيّة بستان فدك من الرّسول إلى بنته فاطمة في حياته؟! #وفي إجابة هذا السّؤال نقول: […]


#بعد أن عرفنا طبيعة الآليّة الّتي انتقل فيها بستان فدك إلى ملكيّة الرّسول، وعرفنا أيضاً كيف سيتحوّل مسار البحث حينما نفترض دخول هذا البستان إلى ملكيّة الرّسول بشخصيّته الحقيقيّة أو شخصيّته الحقوقيّة، ينبثق حينها سؤال هامّ آخر هو: هل خرجت ملكيّة بستان فدك من الرّسول إلى بنته فاطمة في حياته؟!
#وفي إجابة هذا السّؤال نقول: المتّفق عليه بين كلمات المحقّقين من أهل السنّة هو عدم تحقّق ذلك، وأنّ الرّسول لم يملّك بستان فدك لأحدّ في حياته قطّ، وأنّ رواية تمليكه إيّاها منحولة مكذوبة باطلة، وفاطمة لم تدّع في حوارها مع أبي بكر ملكيّتها، وإنّما طالبت بتوريثها إيّاها، كما أنّ المتّفق عليه بين علماء الإماميّة الاثني عشريّة أو قل المشهور فيهم أنّه قد ملّك فاطمة ذلك في حياته، وبعد ذلك حاروا في كيفيّة توجيه النّصوص الرّوائيّة الّتي جمعت بين مطالبتها لها بعنوان إرث وبين مطالبتها لها بعنوان ملك، واضطربوا اضطراباً عظيماً.
#وقبل أن نوضّح شواهد وبيانات كلّ فريق على مدّعاه علينا في بداية الأمر أن نعرض طبيعة المشكلة ومداها ومقدارها كما وردت في صحاح المسلمين، ونعطف الحديث بعد ذلك على ذكر الإضافات الأخرى المرويّة في المقام عند الفريقين.
#روى البخاري المتوفّى سنة: “256هـ”، ومسلم المتوفّى سنة: “261هـ”، بإسنادهم الصّحيح عندهم، عن عروة بن الزّبير، عن عائشة، والّلفظ للأوّل: «أنّ فاطمة “ع” بنت النّبي “ص” أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله “ص” ممّا أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك وما بقي من خمس خيبر، فقال أبو بكر: إنّ رسول الله “ص” قال: “لا نوّرث، ما تركنا صدقة؛ إنّما يأكل آل محمّد “ص” في هذا المال”، وإنّي والله لا أغيّر شيئاً من صدقة رسول الله “ص” عن حالها الّتي كان عليها في عهد رسول الله “ص”، ولأعملنّ فيها بما عمل به رسول الله “ص”. فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوَجَدتْ فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفيت، وعاشت بعد النّبي “ص” ستّة أشهر، فلما توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها». [صحيح البخاري: ج5، ص354ـ355، ط دار التّأصيل؛ صحيح مسلم: ج5، ص39ـ40، ط دار التّأصيل].
#وروي عن عائشة أيضاً: «أن فاطمة والعبّاس “ع”، أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله “ص”، وهما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك، وسهمهما من خيبر، فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله “ص”: “لا نوّرث، ما تركنا صدقة، إنّما يأكل آل محمد من هذا المال”، قال أبو بكر: والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله “ص” يصنعه فيه إلّا صنعته، قال: فهجرته فاطمة، فلم تكلّمه حتّى ماتت». [صحيح البخاري: ج8، ص412ـ413].
#وبعيداً عن تكرار النّصوص ذات المضمون الواحد في بقيّة صحيح البخاري أو مسلم وغيرهما، لكنّ الواضح منها: أنّ النّصوص الرّوائيّة أعلاه تتحدّث عن تلقّ حصل لفاطمة مفاده: أنّ ما دخل إلى ملكيّة الرّسول من موارد من هذا القبيل إنّما دخل إليها بشخصيّته الحقيقيّة، وبالتّالي: فينبغي أن تنتقل إلى الورثة بعد وفاته، ولهذا جاءت هي وعمّ أبيها إلى الخليفة الّذي بيده القرار ليقسّم أرض بستان فدك وسهام خيبر، باعتبار أنّ التّسوية الّتي حصلت مع أصحاب فدك الأصليّين إنّما كانت على أساس منح الرّسول نصف الأرض أو كلّها، لكنّ أبا بكر عارضها في هذا التوجّه، مدّعياً: أنّه سمع من الرّسول نصّاً لا يسمح له بمثل هذا التّقسيم، وإنّ هذه الأموال والأملاك إنّما هي صدقة جارية يأكل آل محمّد من ريعها وإنتاجها، وإنّه لن يقسّم أراضي فدك كما تطلب فاطمة، لكنّه سيبقي الأمور على ما هي عليه في زمن الرّسول، وسوف تأتي مواردها وتوزّع على فاطمة وغيرها من آل محمّد، إلّا أنّ هذا الكلام لم يرق للسيّدة فاطمة، فغضبت على أبي بكر وتاركته، ولم تكلّمه حتّى ماتت.
#ويزداد هذا الأمر وضوحاً إذا ما لحظنا موقف عليّ بعد ذلك، وأنّ طبيعة الغضب الّذي حصل لفاطمة من أبي بكر يرتبط بالأمور الماليّة لا غير، نلاحظ ذلك في بقيّة الرّواية الّتي نقلتها عائشة، وهي تتحدّث عن طبيعة المصالحة الّتي حصلت بين عليّ وأبي بكر لاحقاً وكيفيّة بيعته، حيث قال عليّ لأبي بكر: «”إنّا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنّك استبددت علينا بالأمر، وكنّا نرى لقرابتنا من رسول الله “ص” نصيباً»، فأجابه أبو بكر بعد أن فاضت عيناه من الدّموع حسب الرّواية: «والّذي نفسي بيده لقرابة رسول الله “ص” أحبّ إلي أن أصل من قرابتي، وأمّا الّذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيها عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله “ص” يصنعه فيها إلّا صنعته» [صحيح البخاري، مصدر سابق: ص245ـ255، صحيح مسلم، مصدر سابق: ص39ـ40].
#هذا كلّ ما في المشهد الحواري الّذي حصل بين فاطمة وأبي بكر في كتب المسلمين الصّحيحة والمعتمدة عندهم وهذا قيد مهمّ جدّاً، فلم تدّع فاطمة أنّ فدك نحلتها، ولم يطلب منها شاهداً على تملّكها إيّاها، ولا غير ذلك… سنتابع بقيّة المرويّات والمشاهد في كتب السنّة والاثني عشريّة؛ لنلاحظ كيف هو المشهد وتطوّراته، وهل حصل حقّاً تطوّر وتحوّل في طبيعة الحوار بين فاطمة وأبي بكر من برهانيّ إلى جدليّ أم لا، فتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
 https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3431646590290974

تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...