نموذج من تناقضات نهج البلاغة!!

28 مارس 2019
1964
ميثاق العسر

#ثمّة اعتراضات كثيرة سجّلها المهتمّون على انتساب نهج البلاغة إلى عليّ بن أبي طالب “ع”، لكنّ ما هو متّفق عليه بين الجميع عدم إمكان نسبة كلّ ما في هذا الكتاب إليه “ع”؛ لأسباب متنوّعة ومختلفة ربّما نوفّق لعرضها في بحوث لاحقة، ولكن من باب المثال سنقدّم انموذجاً إيضاحيّاً بسيطاً نوضح من خلاله مدى التّناقض الحاصل […]


#ثمّة اعتراضات كثيرة سجّلها المهتمّون على انتساب نهج البلاغة إلى عليّ بن أبي طالب “ع”، لكنّ ما هو متّفق عليه بين الجميع عدم إمكان نسبة كلّ ما في هذا الكتاب إليه “ع”؛ لأسباب متنوّعة ومختلفة ربّما نوفّق لعرضها في بحوث لاحقة، ولكن من باب المثال سنقدّم انموذجاً إيضاحيّاً بسيطاً نوضح من خلاله مدى التّناقض الحاصل بين نصوص هذا النّهج، وإنّ الاندفاع لتصحيح ما في هذا الكتاب يعود لأسباب عاطفيّة مذهبيّة ترتبط برمزيّة عليّ المثاليّ في أذهاننا.
#جاء كلام منسوب له “ع” وقد سمع قوماً من أصحابه يسبّون أهل الشّام أيّام حربهم بصفّين: “إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إيّاهم: اللّهمّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم؛ حتّى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به». [نهج البلاغة: ص323].
#وهذا النصّ ينسجم تمام الانسجام مع الوجه الغارق في المثاليّة المرسوم في أذهاننا عن عليّ “ع”، بل إنّ هذا النصّ بعينه يُعدّ أحد المرتكزات الرّوائيّة الّتي تستند إليه منابرنا المعتدلة في بيانها للأخلاق العالية لعليّ بن أبي طالب “ع” مع أعدائه، ولكنّ المؤسف إنّنا نشاهد وجهاً مختلفاً تكشف عنه نصوص نهج البلاغة لا غيره، فيذهب ذلك البريق الّذي عهدناه في النصّ الأوّل وتضمحلّ المثاليّة، وهنا تبدأ ماكنة التّوجيه والتّبرير وطرح وجوه الجمع وإلغاء العقول!
#جاء في خطبة أخرى منسوبة له ذكر فيها عمرو بن العاص قوله له: “عجباً لإبن النّابغة”، [ص115]، ويقصد منها هنا: المومس! وجاء في كلام منسوب له “ع” قاله للأشعث بن قيس وهو على منبر الكوفة يخطب بعد أن اعترض عليه الأخير بقوله: “يا أمير المؤمنين هذه عليك لا لك”، فخفض “ع” إليه بصره ثمّ قال: “وما يدريك ما عليّ ممّا لي، عليك لعنة الله ولعنة الّلاعنين، حائك ابن حائك، منافق ابن كافر، والله لقد أسرك الكفر مرّة والإسلام أخرى…”» [ص61].
#وهنا أمامنا عدّة مواقف منها:
#الأوّل: أن نعمل قواعد الجمع العرفيّ المعروفة في علم أصول الفقه فنحكم بأنّ عليّاً “ع” قدّم توصيات أخلاقيّة في النصّ الأوّل، متمنّياً على أصحابه أن يكونوا مثاليّين في التّعامل مع خصومهم، وإنّه كان في النّصّ الثّاني يتحدّث عمّا هو أقلّ من الواقع؛ فإنّ عمرو بن العاص والأشعث بن القيس يستحقّون أكثر من ذلك، وبالتّالي فلا مشكلة في وصفه لأعدائه المفترضين بأبناء المومسات!! بل ونستظهر كراهيّة الحياكة من النصّ الآخر!! [أعيان الشّيعة: ج1، ص541؛ مجمع الفائدة والبرهان: ج8، ص16].
#الثّاني: أن نعمد إلى تأويل النّصّ الثّاني لتعارضه مع الصّورة النّمطيّة المثاليّة المرسومة في أذهاننا عن عليّ “ع” والّتي ساهم أمثال النصّ الأوّل في إيجادها فنصرف دلالة مفردة النّابغة عن المومس، ونأوّل التّعيير بالحياكة بقولنا: لا نظنّ أنّ أمير المؤمنين “ع” يعيّر أحداً بمهنته مهما كانت؛ لأنّها كسب وليس في الكسب عارّ، خصوصاً والأشعث ليس بحائك، فمعنى الحائك هو الّذي يحوك الكلام ويزوّره، ولعلّ الكلمة بالدّال لا بالكاف كما في غير نهج البلاغة، والحائد المنحرف!! [مصادر نهج البلاغة: ج1، ص386].
#الثّالث: أن نعمد قبل كلّ شيء إلى فحص أساسات هذه النّصوص جميعاً بشكل صحيح وسليم؛ لنعرف ما هو الأصيل وما هو الدّخيل، من دون أن ننطلق في ممارستنا هذه من قبليّات مذهبيّة سلبيّة أو إيجابيّة؛ فإنّ أيّ موقف أيدلوجيّ قبليّ يتّخذه الباحث من عليّ “ع” قبل فحص أيّ نصّ مطروح أمامه سيقوّض الفهم الصّحيح له، وهذه قاعدة عامّة لا تختصّ بهذه النّصوص دون غيرها، ومن ثمّ نختار ما يوصلنا إليه الدّليل من دون وصاية مذهبيّة.
#اعتقد إنّني مع الموقف الثّالث؛ لأنّه هو الموصل إلى عليّ “ع” الواقعيّ ويُبعدنا عن عليّ المثالي، وللنّاس فيما يعشقون مذاهب، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...