مرتضى الأنصاري وتحريف القرآن ودور المؤسّسات!!

11 يونيو 2018
1672
ميثاق العسر

#ربّما لا تتعقّل قولنا لك: إنّ المرحوم الصّدوق حكّم منطلقاته الآيدلوجيّة ومرتكزاته العقائديّة الإثني عشريّة في التعامل مع النّصوص الرّوائية حذفاً وإضافةً وتطبيقاً، وتبادر لاستبعاد ذلك في حقّ شخص تعتقد بأنّه مولود بدعاء الحجّة “ع”، وتبدأ بالتّأويلات تلو التأويلات، تاركاً عقلك خلفك وأحياناً بجانبك… نعم ربّما لا تتعقّل ذلك لكنّي لا أظنّ إنّك ستتردّد في […]


#ربّما لا تتعقّل قولنا لك: إنّ المرحوم الصّدوق حكّم منطلقاته الآيدلوجيّة ومرتكزاته العقائديّة الإثني عشريّة في التعامل مع النّصوص الرّوائية حذفاً وإضافةً وتطبيقاً، وتبادر لاستبعاد ذلك في حقّ شخص تعتقد بأنّه مولود بدعاء الحجّة “ع”، وتبدأ بالتّأويلات تلو التأويلات، تاركاً عقلك خلفك وأحياناً بجانبك… نعم ربّما لا تتعقّل ذلك لكنّي لا أظنّ إنّك ستتردّد في التّصديق إذا ما نقلت لك مثالاً حيّاً معاصراً يتحدّث عن الأمانة العلميّة لمؤسّساتنا الشّيعيّة الإثني عشريّة في النّشر والتّحقيق، وفي أعلى مستوياتها ومن على قمّة الهرم، فإذا كان الأمر كذلك في حاضرنا، فهل ستستبعد ذلك في ماضينا بإمكانيّاته المتواضعة في التّتبع والاستقصاء والطّباعة والنّشر قياساً بما وصلنا إليه؟!
#للمرحوم مرتضى الأنصاري المعروف في الأوساط الحوزويّة بـ “الشّيخ الأعظم” كتاب فقهيّ حمل عنوان: “كتاب الصّلاة”، وقد كانت طبعته الحجريّة متداولة حتّى قامت لجنة التّحقيق الخاصّة بتراث الشّيخ الأعظم المنبثقة من المؤتمر العالمي بمناسبة الّذكرى المئوية الثّانية لميلاد الشّيخ الأنصاري بتحقيق هذا الكتاب وإعادة طباعته بحلّة قشيبة في ثلاثة أجزاء في جمادي الأوّل من عام: “1415هـ” في مدينة قم الإيرانيّة، لكن هذا التّحقيق احتوى على مفارقات لافتة وظريفة وطريفة في نفس الوقت، تعالوا معي لأقصّها عليكم:
#في مبحث القراءة من الصّلاة فتح الشّيخ الأنصاري بحث القراءات القرآنيّة وتقويم الأخبار الآمرة بالقراءة كما يقرأ النّاس أو المخالفون حسب اصطلاحهم، ونصّ على إنّ ملاحظة صدر الأخبار وعجزها يكشف عن إنّ المراد منها حذف الزّيادات الّتي كان يتكلّم بها أصحاب الأئمّة “ع” بحضرتهم حتّى قيام القائم “ع” فيُظهر قرآن أمير المؤمنين “ع” على حدّ تعبيره، وفي هذا السّياق استمرّ في الحديث عن اعتبار الخصوصيّات في القراءة ومطلوبيّتها شرعاً وذكر بيانات ثلاثة وبدأ بنقاشها على طريقته في البحث، وهكذا استمرّ في الحديث والمناقشة إلى أن قال في مناقشة قول ابن الجزري على ما حُكي عنه: «وأنت خبير بأنّ السّند الصّحيح ـ بل المتواتر باعتقادهم ـ [ويعني بهم أهل السُنّة] من أضعف الأسانيد عندنا؛ لأنّهم يعتمدون في السّند على من لا نشكّ نحن في كذبه، وأمّا موافقة المصاحف العثمانيّة فهي أيضاً… …، وطيخوا المصاحف الأُخر لكتّاب الوحي». [كتاب الصّلاة: ج1، ص362].
#لكنّك ستسأل: لماذا وضعت هذه النّقاط السّت وهل هي في المصدر الأصلي؟!
#والجواب: نعم؛ هذه النّقاط هي من المصدر الأصلي للكتاب المحقّق، واُدرج هامشان في موطنها قالوا في الأوّل: «مقدار سطرين من العبارة وردت في هامش [النّسخة] “ق” ترتبط بالموضوع، وقد أصابهما الماء فلم يمكن إيراده هنا»، وقالوا في الثّاني الوارد بعد مفردة: وطيخوا: «كذا ظاهراً؛ والكلمة غير واضحة، من طاخ الأمر طيخاً: أفسده، ويُحتمل: طلخ، وهو بمعنى إفساد الكتاب» [كتاب الصّلاة: ج1، ص362].
#ولكن هل تعلم ما هي العبارة الّتي لم يتمكّن محقّقو هذا الكتاب ـ وأحجم عن ذكر اسمائهم دفعاً لإحراجهم ـ من قراءتها، وادّعوا إنّ سقوط الماء عليها منع من ذلك؟! أسمح لي أن أنقل لك العبارة كما وردت في مصدرها الأصلي ونقلها بعض الفقهاء أيضاً في مدوّناتهم الفقهيّة حيث قال الأنصاري ما يلي: «وأمّا موافقة أحد المصاحف العثمانيّة فهي أيضاً من الموهنات عندنا، سيّما مع تمسّكهم على اعتبارها بإجماع الصّحابة عليها الّذين جعل الله الرُشد في خلافهم؛ حيث إنّهم غيّروا من القرآن ما شاءوا، ولذا أعرضوا عن مصحف مولانا ومولاهم أمير المؤمنين “ع” لمّا عرضه عليهم، فأخفى لولده القائم “فداه أبي وأمّي”، وطُبخت المصاحف الأُخر لكتّاب الوحي».
#وحيث إنّ العبارة الآنفة الذّكر تسبّب إرباكاً كبيراً في الوسط الإثني عشريّ فضلاً عن غيره لصراحتها ووضوحها في وقوع التّحريف في القرآن وهو موضوع طالما نفاه المراجع المعاصرون بشتّى الحيل، وإنّ العناوين الثّانويّة الحوزويّة تقتضي الحفاظ على سمعة الشّيخ الأنصاري وكسر الجرّة برأس تلميذه المحدّث النّوري المسكين الّذي لم يكتب سوى الرّوايات الصّحيحة وآراء العلماء الإثني عشريّة في تحريف القرآن، قام محقّقو الكتاب بحذف العبارة وكتبوا في الهامش تعليقاً مضحكاً ومبكياً كما قرأتم قبل قليل، مع إنّ هذه العبارة إذا لم تكن واضحة في جميع النّسخ الخطيّة بل وفي الطّبعة الحجريّة للكتاب أيضاً وهذا الاحتمال كما ترى، فقد نقلها بعينها المرحوم الإغا رضا الهمداني في مصباح فقيهه [كتاب الصّلاة من مصباح الفقيه، الطّبعة الحجريّة: ص275]، وكان بإمكانهم أن يستعينوا بهذا الكتاب لقراءتها لو فرضنا سقوط الماء على جميع النُسخ وإمكانيّات الدّولة تحت أيديهم.
# وكيف كان؛ أوردت هذا الشّاهد البسيط كي أدعو الباحثين المحايدين إلى الالتفات إلى خطورة الموقف، وإنّ استساغة مثل هذه التّدليسات في أعصارنا يؤكّد لنا بوضوح استساغتها في تلك الأعصار بشكل أكبر أيضاً كما سنثبّت من تراث الصّدوق وفي نفس موضوع تحريف القرآن أيضاً، فتفطّن واغتنم، ورحم الله المحدّث النّوري الّذي ظُلم بسبب شجاعته في هذا المجال كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#إلماع: راجع التّعليق الأوّل لرؤية الوثائق.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...