محمّد الصّدر والإخفاق الكبير في مناقشة الخوئي!!

28 يوليو 2020
199
ميثاق العسر

#وقع الكلام بين علماء أصول الفقه في: أنّ صيغة الأمر هل تقتضي الفور أو التّراخي، أو لا تقتضي شيئاً من ذلك، وقد ذهب مشهور الأصوليّين الإثني عشريّة المعاصرين إلى عدم دلالتها بنفسها على شيء من ذلك لبيانات معروفة في محلّه، وقد عمد بعضهم إلى الاستناد إلى دليل خارجيّ لإثبات الفوريّة، من قبيل الآية الّتي تقول: […]


#وقع الكلام بين علماء أصول الفقه في: أنّ صيغة الأمر هل تقتضي الفور أو التّراخي، أو لا تقتضي شيئاً من ذلك، وقد ذهب مشهور الأصوليّين الإثني عشريّة المعاصرين إلى عدم دلالتها بنفسها على شيء من ذلك لبيانات معروفة في محلّه، وقد عمد بعضهم إلى الاستناد إلى دليل خارجيّ لإثبات الفوريّة، من قبيل الآية الّتي تقول: “فاستبقوا الخيرات”، بتقريب: أنّ الامتثال للواجبات الإلهيّة من أظهر مصاديق الخيرات، وعليه: فيجب الاستباق إليها، وهذا معنى الفوريّة في المقام، فثبت المطلوب.
#وقد ردّ معظمهم هذا الاستدلال، وأثبتوا بطلانه، ولا تعنينا مناقشاتهم فعلاً ولا طريقة صياغاتها؛ فهذا المقدار كافٍ في إيضاح ما نريد إيضاحه؛ وما يهمّنا هو: ما نقله المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر من مناقشة عن المرحوم الخوئي، وكيفيّة مبادرة الأوّل لردّها أيضاً، وسنعتمد في هذه المرحلة على كتاب “منهج الأصول” والّذي جعله المرحوم الشّهيد أهمّ الكواشف الأساسيّة لإثبات أعلميّته على عموم مجايليه وأساتذته الأموات أيضاً؛ ونعود بعد ذلك إلى المطلب نفسه كما طرحه في مجلس درسه.
#قال في منهج الأصول: «الوجه الأول: ما ذكره في المحاضرات [أي كتاب المحاضرات والّذي هو تقرير كتبه إسحاق الفيّاض]: من أنّ الاستباق [في آية: “واستبقوا الخيرات”] ليس بمعنى الإسراع، بل بمعنى: مسابقة الغير إلى شي‏ء أو إلى الخير، وهذا معناه لحاظ أحكام عديدة ومكلفين كثيرين، فيكون المضمون أجنبيّاً عن محل الكلام، أو قل: إنّ هذا المعنى إضافيّ، ولا يصدق مع الانفراد، أو وجود طرف واحد، كما هو مورد الكلام». [منهج الأصول: ج4، ص339].
#وإذا أردنا أن نوضّح إشكال المرحوم الخوئي على الاستدلال بهذه الآية من أجل إثبات الفوريّة بغية تقريبه لذهن المتابع العادي بغضّ النّظر عن قناعتنا به فنقول: إنّنا إذا أردنا أن نبرهن على دلالة الآية على أنّ صيغة الأمر تدلّ على الفوريّة فيجب علينا إثبات أنّ الدّعوة للتّسابق في الآية تعني التّسابق في فعل الخيرات الّتي يؤمر بها الشّخص نفسه، أمّا إذا قلنا: إنّ التّسابق فيها يعني المسابقة إلى الخيرات المشتركة مع الغير ـ كما يفهم من معناه الّلغوي والّتي تكون قياسيّة بطبيعة الحال ـ فلا تماميّة للبرهنة بها أصلاً؛ وذلك: لأنّ ظاهر الآية ـ كما يفهم الخوئي ـ إنّها تتحدّث عن الأعمال الّتي تُعدّ خيراً للجميع، ويمكن لكلّ واحد من العباد الإتيان بها من قبيل دفن الموتى وفتح الطّرقات وأمثالها من الخيرات المعروفة، فالواجب على آحاد العباد المنافسة والمسارعة والمسابقة نحوها، ومع كون الأمر كذلك، فتكون الآية أجنبيّة عن محلّ البحث.
#لكنّ المرحوم محمّد الصّدر لم يقبل هذه المناقشة من المرحوم الخوئي، واتّهمه بكتابتها «من دون الرّجوع إلى كتب الّلغة والصّرف [!!]»؛ وذلك: لأنّ «صيغة المشاركة بين اثنين هي: المفاعلة والتّفاعل، كالمقابلة والمضاربة والتضارب والتّقاتل، وليس الاستفعال، كالاستخراج والاستعداد والاستنجاء، فإنّه خالٍ من هذا المعنى إطلاقاً، والاستباق من هذا الوجه صرفيّاً، ولذا يصدق وحده ولا يحتاج إلى طرف آخر. ولذا قال: “وهم لها سابقون”، ولم يقل وهم فيها سابقون.. أي متسابقون».[منهج الأصول، المصدر السّابق نفسه].
#وإذا أردنا أن نوضّح اعتراض الرّاحل محمّد الصّدر بعبارة أخرى فنقول: لقد توهّم المرحوم الخوئي في افتراضه أنّ التّسابق الوارد في الآية يتحدّث عن المسابقة الّتي تكون بين شخصين أو أكثر؛ وذلك لأنّ الأصل الّلغويّ للتّسابق لا يتضمّن معنى المفاعلة أصلاً؛ فهو من باب الاستفعال، كالاستنجاء والاستمناء والاستخراج والاستعداد، وهذه المعاني لا يوجد فيها معنى للمفاعلة بين طرفين أو أكثر، وبالتّالي: يصحّ أن يصدق لوحده من دون حاجة لطرف آخر.
#نعم؛ تلطّف المرحوم محمّد الصّدر على المرحوم الخوئي بقوله: أنّ القرينة إذا قامت في المقام على وجود طرف آخر في البين أمكن استعمال هذه الصّيغة في هذا المعنى، كما في قوله تعالى: “إنّا ذهبنا نستبق”، “واستبقا الباب”، مع أنّ الأصل أن يقول فيهما: ذهبنا نتسابق، وتسابقا الباب، ومن الواضح: أنّ هذا الاستعمال مجازيّ وقرينته موجودة في الآية نفسها، لكنّ الآية محلّ البحث خالية من أيّ قرينة، وما يُقال: من أنّ واو الجماعة الموجودة في “استبقوا” قرينة في المقام مدفوع أيضاً؛ لاحتمال أن يكون المراد منها عموم الخطاب لا تعدّد الأطراف الّتي يوجّه لها الخطاب، ونصّ على أنّ هذا هو الأظهر، والاحتمال كافٍ في إبطال الاستدلال!! [منهج الأصول، المصدر السّابق نفسه].
#وبعد أن عرفنا الاعتراض الّذي قدّمه المرحوم محمّد الصّدر على مناقشة الخوئي، ينبغي علينا بداية العودة إلى كتب الّلغة والصّرف، لنعرف هل أنّ المرحوم الخوئي لم يُراجع الكتب الّلغويّة والصّرفيّة كما اتّهمه المرحوم محمّد الصّدر، أم العكس هو الصّحيح؟!
#والجواب: نصّ علماء هذا الفنّ على أنّ الاستباق مصدر لفعل استبق الخماسيّ، والقاعدة عندهم تقول: إذا كان الفعل خماسيّاً مبدوءاً بهمزة وصل على وزن افتعل فيكون مصدره افتعال، من قبيل: اقتصد اقتصاداً، امتثل امتثالاً، استبق استباقاً، اصطبر اصطباراً، اعتمد اعتماداً، أمّا إذا كان الفعل سداسيّاً مبدوءاً بهمزة وصل على وزن استفعل غير معتلّ العين، فيكون مصدره استفعال، من قبيل: استحسن استحساناً، استقبح استقباحاً، استجدى استجداءً، استنجى استنجاءً، استمنى استمناءً. [راجع على سبيل المثال: النّحو الوافي، عبّاس حسن: ج3، ص202].
#قال صاحب الميزان المتوفّى سنة: “1402هـ”: «فالحقّ أنّ معنيي الاستباق والتّسابق متّحدان صدقاً على المورد، وفي الصّحاح: سابقته فسبقته سبقاً واستبقنا في العدو أي تسابقنا… وفي لسان العرب: سابقته فسبقته، واستبقنا في العدو، أي تسابقنا… ولعل الوجه في تصادق استبق وتسابق أنّ نفس السّبق معنى إضافي في نفسه، وزنة “افتعل” تفيد تأكّد معنى “فعل” وإمعان الفاعل في فعله وأخذه حلية لنفسه كما يشاهد في مثل كسب واكتسب وحمل واحتمل وصبر واصطبر وقرب واقترب وخفي واختفى وجهد واجتهد ونظائرها، وطروّ هذه الخصوصيّة على معنى السّبق على ما به من الإضافة يفيد جهد الفاعل أن يخص السّبق لنفسه ولا يتم إلّا مع تسابق في المورد». [الميزان: ج11، ص102، ط الأعلمي].
#وبعد وضوح هذه الكلمات نسأل: أ لم يمرّ على المرحوم محمّد الصّدر ما قرّره ابن مالك المتوفّى سنة: “672هـ” في ألفيّته حينما قال: “وإن يبن تفاعل من افتعل” الجليّ في اقتضاء بعض صيغ الافتعال للمشاركة، ولهذا قال بعضهم: «ففي بعض الأفعال الّتى تكون على مثال صيغتى “افتعل” و “تفاعل” يكون مدلولها مستوجباً لاثنين فأكثر، وإلّا فسد المعنى ونقص، وذلك حينما تفيد هذه الأفعال معنى الاشتراك والتّشارك، كمعاني الاختصام والاقتتال، والتّقاتل والتّخاصم، والاصطفاف والتّصاف، والتجاور والتعاطف والاشتراك والتّشارك والاجتماع والتّجمّع والتّسابق والاستباق والتّحادث والتّساوي والاستواء، وما قد تقع عليه من أمثال ذلك». [النّحو الوافي، مصدر سابق: ج5، ص199].
#وبعد بينونة فساد ما قرّره المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر من مناقشة للمرحوم الخوئي، وإنّ التّسابق من الافتعال لا الاستفعال كما توهّم، وإنّه يقتضي المشاركة والمفاعلة أيضاً، دعونا نُكمل الحديث معه لنعرف هل حقّاً أنّه راجع الكتب الّلغويّة والصّرفيّة ووجد أنّ ما ذكره المرحوم الخوئي كان اشتباهاً وخطلاً؟!
#إجابة مثل هذا السّؤال تقتضي منّا العودة إلى دروسه نفسها ـ والّتي كانت مادّتها الأساسيّة ما كتبه وطبعه في كتابه منهج الأصول لاحقاً ـ لنقول: الغريب والّلافت والمحيّر أيضاً أنّه “رحمه الله” كان قد عمد في مجلس درسه إلى ذكر كلمات الرّاغب الأصفهاني المؤيّدة لكلمات المرحوم الخوئي باعترافه أيضاً، الأمر الّذي يُفترض أنّه يمنع محمّد الصّدر من اتّهام الخوئي بعدم المراجعة ولو إلى هذا الكتاب مثلاً، لكنّه اضطرّ ـ وليس لي تفسير لاضطراره غير الثّقة العالية بالنّفس دون مراجعة وفحص وتنقيب ـ لمناقشتها، ورأى أنّ ما ذكره الرّاغب في هذا المجال ليس سوى وجهة نظر حدسيّة اجتهاديّة لا حسيّة واقعيّة ما دامت تتنافى مع الأصل الّلغويّ حسب فهم الصّدر، وبالتّالي: أسقطها عن الاعتبار أيضاً!! والأغرب من جميع هذه الأمور أنّه عمد إلى حذف هذه المناقشة للرّاغب الأصفهاني مع حذف أصل كلماته أيضاً من كتابه منهج الأصول وميّعها بذكر مضمونها مبتسراً كاحتمال دون مصدر، لكنّه أبقى اتّهام الخوئي بعدم مراجعة الكتب الّلغويّة والصّرفيّة على حاله فيها!!
#ما قرأته أعلاه يُعدّ نموذجاً بسيطاً من مناقشات المرحوم محمّد الصّدر لكلمات الكبار، وقد رأيت ما فيها من مشاكل على مستوى المراجعة والفحص والتّنقيب لأبسط الأمور الّلغويّة فكيف بغيرها كما ستأتي لاحقاً، وكنت أتمنّى على الرّاحل الشّهيد محمّد الصّدر أن يبتعد عن هذه الثّقة العالية بالنّفس في مناقشة الكبار، خصوصاً مع قلّة المصادر وبعثرة المعلومات عنده كما صرّح بنفسه، ولكن تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن؛ إذ وقع في أخطاء كبيرة جدّاً لا يرتكبها من هو دونه بمراتب في المدّعيات، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...