مبنى ثنائيّة شخصيّة الصّادق ومثال تطبيقي فقهي!!

20 ديسمبر 2020
184
ميثاق العسر

#بمعزل عن التّفاصيل الفقهيّة الملحوظة في ماهيّة ركنيّة الوقوف بالمزدلفة ووقتها، فإنّ أحد الأحكام المعروفة في الفقه الاثني عشريّ عند المعاصرين هي عدم انبغاء الإفاضة منها إلى منى قبل طلوع الشّمس اختياراً ، واحتاط بعضهم في ذلك وسمح بالتّجاوز إلى وادي محسّر قبل الطّلوع بقليل ومنع من تجاوزه قبل طلوعها، ومن ذهب إلى الحج يعرف […]


#بمعزل عن التّفاصيل الفقهيّة الملحوظة في ماهيّة ركنيّة الوقوف بالمزدلفة ووقتها، فإنّ أحد الأحكام المعروفة في الفقه الاثني عشريّ عند المعاصرين هي عدم انبغاء الإفاضة منها إلى منى قبل طلوع الشّمس اختياراً ، واحتاط بعضهم في ذلك وسمح بالتّجاوز إلى وادي محسّر قبل الطّلوع بقليل ومنع من تجاوزه قبل طلوعها، ومن ذهب إلى الحج يعرف ذلك جيّداً؛ حيث يلاحظ إفاضة حجّاج باقي المذاهب من المزدلفة إلى منى لرمي الجمرات، وينتظر حجّاج الشّيعة الاثني عشريّة ـ غير النّساء والضّعفاء ـ حتّى طلوع الشّمس للإفاضة، ومن الواضح: أنّ هذا الحكم يستند بالأساس إلى نصوص الصّادق الواردة في المقام، قال السّيستاني في مناسك الحجّ:
#يجب على الحاجّ ـ بعد الإفاضة من عرفات ـ أن يبيت شطراً من ليلة العيد بمزدلفة حتّى يصبح بها، والأحوط أن يبقى فيها إلى طلوع الشمس، وإن كان الأظهر جواز الإفاضة منها إلى وادي محسّر قبل الطلوع بقليل، نعم، لا يجوز تجاوز الوادي إلى منى قبل أن تطلع الشمس». [مناسك الحجّ وملحقاته: ص433].
#وفي سياق تعميق مبنانا المختار في ثنائيّة شخصيّة الصّادق وإغلاق بعض النّوافذ العاطفيّة الّتي يحاول بعض المذهبيّين الهروب من خلالها، يحسن بي الإشارة إلى ثلاث روايات في هذا الشّأن، الأولى والثّانية: صحيحتا السّند وفق المقاييس الاثني عشريّة ومن مصادرهم، والثّانية: صحيحة السّند وفق مقاييس أهل السُنّة ومن مصادرهم كذلك.
#روى الكليني المتوفّى سنة: “329هـ”، بأسانيده الصّحيحة عنده وعندهم، عن معاوية بن عمّار، عن الصّادق إنّه قال في رواية تتحدّث عن آداب وواجبات الوقوف بالمزدلفة: «ثمّ أفض حين يشرق لك [جبل] ثبير، وترى الإبل موضع أخفافها»، كما روى بإسناده الصّحيح عنده وعندهم أيضاً، عن هشام بن الحكم، عن الصّادق قوله: «لا تجاوز وادي محسر حتّى تطلع الشّمس». [الكافي: ج4، ص469؛ 470؛ وراجع المعنى الكنائي لثبير والمقصود به الشّمس في صيغة الرّواية كما جاءت في: علل الشّرائع: ج2، ص444؛ تهذيب الأحكام: ج5، ص192].
#وروى البيهقي المتوفّى سنة: “458هـ”، بإسناده الصّحيح عنده وعندهم، عن عبد الرّزاق بن همّام، عن معمّر بن راشد البصري إنّه قال: «قال لي أيوب ونحن ها هنا: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد [الصّادق]؛ فإنّه بلغني أنّه أمر النّاس أن لا ينفروا من جمع [المزدلفة] حتّى تطلع الشّمس، قال معمر: فذهبت مع أيّوب حتّى أتينا فسطاطه، فإذا عنده قوم من العلويّة وهو يتحدث معهم، فلمّا بصر بأيوب قام، فخرج من فسطاطه، حتّى اعتنق أيوب، ثمّ أخذ بيده فحوّله إلى فسطاط آخر، ـ قال معمر: كره أن يُجلسه معهم ـ قال: ثمّ دعا بطبقٍ من تمر فجعل يناول أيّوب بيده، ثمّ قال: اذهبوا إلى هؤلاء بطبقٍ؛ فإنّا إن بعثنا إليهم تركونا، وإلّا شنّعوا علينا، فقال له أيوب: ما هذا الّذي بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عنّي؟ قال: بلغني ‌أنّك ‌أمرت النّاس أنّ لا يدفعوا من جمع [المزدلفة] حتّى تطلع الشّمس؟! فقال: سبحان الله؛ خلاف سنّة رسول الله “ص”؛ حدّثني أبي، عن جابر بن عبد الله: أنّ النّبي “ص” دفع من جمع [المزدلفة] قبل أن تطلع الشمس، ولكن النّاس يحملون علينا ويروون عنّا ما لا نقول، ويزعمون أنّ عندنا علماً ليس عند النّاس، والله إنّ عند بعض النّاس لعلماً ليس عندنا، ولكن لنا حقّ وقرابة، فلم يزل يذكر من حقّهم وقرابتهم حتّى رأيت الدّمع يجري من عين أيوب». [السّنن الكبير، ج10، ص99، ط مركز هجر].
#وبعد أن عرفت كراهة الصّادق أن يُجلس أيّوب السّختياني ومعمّر بن راشد مع العلويّة الّذين كانوا في فسطاطه، ومحاولته ذمّهم أيضاً بعد أوامره بإرسال طبق من التّمر إليهم، ونفيه الصّريح لدعوى حثّه النّاس على مخالفة سنّة الرّسول في الخروج من المزدلفة قبل طلوع الشّمس والّتي رواها هو عن أبيه عن جابر، وتركيزه على أنّ المطلب الأساس الّذي يتبنّاه لا يرتبط بالعلم القليل الّذي عندهم وإنّما بالزّعامة والإمامة السّياسيّة… أقول بعد أن عرفت جميع ذلك من حقّك أن تسأل:
#هل يعني هذا كذب جميع تلك الأخبار الّتي نصّت على حثّ الصّادق أصحابه على عدم الخروج إلى منى قبل طلوع الشّمس وبطلان جميع الفتاوى الاثني عشريّة الّتي ترتّبت عليها، أم أنّ الصّادق بشخصيّته الظّاهريّة قد تناول أطراف الحديث مع معمّر وأيّوب، وبشخصيّته الباطنيّة قد تداول خلاف ذلك مع معاوية بن عمّار وهشام بن الحكم وغيرهما أيضاً، لا في طبيعة الوقوف في المزدلفة وتحديد زمانه، وإنّما في علمهم وفضلهم وإمامتهم الإلهيّة أيضاً؟!
#اعتقد أنّ قليلاً من التّدبّر والقراءة الفاحصة والمجرّدة المحادية ستؤدّي دون شكّ وريب إلى فهم هذه التّعارضات بسلاسة تامّة، وإنّ إمساك مبنى تعدّد شخصيّتي الصّادق والباقر هو الكفيل بحلّها لا غير، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏نص‏‏
 https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3406164416172525

تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...