لماذا لا يكشفُ المعمّمونَ عن ذِمَمِهم الماليّة؟!

3 أكتوبر 2016
1042
ميثاق العسر

النزاهةُ والشفافيّةُ وضرورةُ التقشّفِ مفاهيم نسمعها بشكلٍ متكرّرٍ من المرجعيّاتِ الدينيّةِ ووكلاءِها، وهي توجّهُ في العادةِ إلى موظفّي الدولةِ من أعلى الهرمِ وحتّى أسفلهِ، بل وتطالبهمُ بالكشفِ عن حساباتِهمُ وذِمَمِهمُ الماليّة أيضاً، ولكن يدورُ في خلديَ هذا السؤالُ: لماذا لا تكشفُ المرجعيّاتُ الدينيّةِ ووكلاؤها ومن هم في دائرتِها وبطانتِها عن ذِمَمِهمُ الماليّةِ؟ أ وليس هذا […]


النزاهةُ والشفافيّةُ وضرورةُ التقشّفِ مفاهيم نسمعها بشكلٍ متكرّرٍ من المرجعيّاتِ الدينيّةِ ووكلاءِها، وهي توجّهُ في العادةِ إلى موظفّي الدولةِ من أعلى الهرمِ وحتّى أسفلهِ، بل وتطالبهمُ بالكشفِ عن حساباتِهمُ وذِمَمِهمُ الماليّة أيضاً، ولكن يدورُ في خلديَ هذا السؤالُ:
لماذا لا تكشفُ المرجعيّاتُ الدينيّةِ ووكلاؤها ومن هم في دائرتِها وبطانتِها عن ذِمَمِهمُ الماليّةِ؟ أ وليس هذا سيعزّزُ مكانَتَهمُ في المجتمعِ، ونفوذَ كلمتِهم بين الناسِ؟!
سأتركُ المجالَ إلى المرحومِ المطهريِ الذي اُستشهد في سنةِ: (1979م) ليُجيبنا عن السؤالِ أعلاهُ، وأرجو من الجميعِ أن لا يوجّه سهامَ نقدِهِ إليّ كما هي العادةُ؛ فليسَ لي دورٌ سوى ترجمةُ كلماتِهِ القاسيةِ التي تكشفُ عن غصّةٍ كبيرةٍ ومؤلمةٍ، كما أتمنى على أساتذةِ الحوزةِ وروّادها أن يتأملّوا في كلماتِه مرّاتٍ ومرّاتٍ، ويراجعوا واقعَنا الحوزويّ بعدَ إغفالِ شمّاعةِ العناوينِ الثانويّةِ، وعنوانِ المذهبِ والحوزةِ وضرورةِ الحفاظ عليهما دونَ تصحيحٍٍ، حتّى وإن أدّى هذا الأمرُ إلى مفاسدَ لا تحمدُ عقباها.
قالَ الشهيدُ المطهريّ: “تحملُ السياقاتُ الحوزويّةُ عادتينِ تحوّلتا إلى قوّةٍ يصعب جدّاً مواجهتُها:
#الأولى: اعتادَ المعمّمونَ على عدمِ كشفِ ذِمَمِهم الماليّةِ، ويحرصونَ على إخفاءِ طبيعةِ مصاريفِهمُ، ومصادرِ ارتزاقِهمُ؛ وسببُ ذلك يعودُ إلى أمرين:
1ـ لكي يتمكّنوا من استعطافِ الناسِ وجلبِ استرحامِهمُ إليهمُ على الدوامِ.
2ـ لكي يُظهروا للناسِ إنّ هناكَ عنايةً إلهيّةً وبركةً سماويّةً تديرُ أمورِهمُ وحياتِهمُ.
فإذا كشفَ المعمّمُ للناسِ عن مواردِه الماليّةِ، وقال لهمُ: إنّ مرتّبي الشهريّ مليونُ دينارٍٍ مثلاً، فهذا بمثابةِ انتقاصٍ من مقامِه الحوزويِّ، وعلّةُ هذا الأمرِ هي: إنَّ الحوزةَ تريدُ أن تبنىَ مكانةَ المعمّمينَ على أساسِ “وهمِ الناسِ” لا على أساسِ “عقلانيِّتِهمُ”، وتريدُ أن ينظرَ الناسُ إلى طلّابِها وإلى الدينِ في الظلامِ لا في النورِ.
#والثانيةُ: إن النشوةَ التي يشعرُ بها المعمّمُ حينما يستلمُ تبرّعاتٍ مباشرةً من مستمعِيهِ ومتابِعيِهِ، أكبرُ من النشوةِ التي يشعرُ بها حينما يتقاضى مرتّباً من مرجعِ تقليدهِ أو من بيتِ المالِ أو لأجل إنجازِ عملٍ شخصيٍّ مثلاً؛ فلذّة مئةِ ألفِ دينارٍ من متبرّعٍ ومحبٍّ ومريدٍ أكبرُ بكثيرٍ من لذّةِ مليونِ دينارٍٍ تُمنح له يتقاضاها من بيتِ المالِ. ولا يمكنُ إن يبرّرَ هذا الأمرُ بالاستقلاليّةِ؛ حيثُ إنّ من يأخذُ أموالاً من مستمعيهِ ومتابعيهِ ومريديهِ مباشرة أكثر استقلالاً من الشخصِ الذي يأخذها من بيتِ المال، أقولُ لا يمكنُ أن يبرّرَ ذلكَ: لأنّ هذا المعمّمَ إذا كانتْ له استقلاليّةٌ وعزّةُ نفسٍ كما يقالُ فكانَ عليهِ أن يمتنعَ عن أخذِ جميع هذه الأموالِ والحقوقِ مهما كانَ مصدرها، وينجذبُ إلى ما يوفّرهُ له كدُّ يمينِهِ وعرقُ جبينهِ فقط، مع إنّ الأمرَ عمليّاً ليس كذلك؛ حيثُ نرى المُعممَ يرجّحُ الصرفَ من الأموالِ المبذولةِ لهُ على الصرفِ من الأموالِ الشخصيّةِ”.
وحينما نسألُ من المطهريّ عن السببِِ الأساسِ الذي يكمنُ وراءَ تفشّي هذه الظاهرةُ يجيبُ: “إنّ السببَ الأصليّ في قناعتِنا هو: إنّ همَّ اصطيادِ الفريسةِ قد طغى في نفوسِ المعمّمينَ هذه الأيامِ، وإنّ هناك منافسةً في اجتذابِ واستقطابِ المقلّدينَ، فشخصيّةُ المعمّمِ مأسورةٌ إلى هذه الأمورِ في زماننا، وعليه: فالملاكُ ليسَ هو الأموالُ فقط، وإنّما يُضافُ إلى الاحترامِ والودِّ، وبعبارةٍ أخرى: الأموالُ علاوة على فعّاليّةِ الخططِ والأفخاخِ، ومقدارِ نفوذِ السهامِ إلى مراميِها. أجل؛ إنّ لذّةَ النجاحِ والتوفيقِ تكمنُ في الاصطيادِ، فكما إن الصيّادَ يستلذُّ بأكلِ صيدهِ الذي لا يعادلُ طعمهُ مماثلهُ الذي يشتريه من القصّابِ، وكما إنّ القطّةَ تستلذُ بالفأرةِ التي اصطادتها أيّ استلذاذٍ، فالأمرُ كذلكَ في الأموالِ التي يأخذها المعمّمُ من محبّيهِ؛ فهي تحملُ نفسَ الّلذةِ التي يحملها الصيدُ بالنسبةِ للصيّادِ. ومن هنا تعرفُ السرَّ الأكبرَ الذي يكمنُ وراءَ رفضِ المعمّمينَ لأّيّ محاولةٍ تريدُ تنظيمَ الحقوقِ الشرعيّةِ، ووضعِ قواعدَ وقوانينَ لاستلامِها وصرفِها، يُضافُ لذلكَ: إنّ تنظيمَ الأمورِ الماليّةِ للحقوقِ الشرعيّةِ يمنعُ بعضَ المعمّمينَ الذين يعتاشونَ على الاستغلالِ من نيلِ مآربهم”، انتهى كلامُ المطهريّ.
أقولُ: لا يسعني التعليقُ على جميعِ كلامهِ “رحمهُ اللهُ” في الوقتِ الحاضرِ، ولكنّي ساقتصرُ على تعليقينِ:
الأوّلُ: في الحوزةِ الماضيةِ والمعاصرةِ معمّمونَ “من مراجعَ ومجتهدينَ وأساتذةٍ وطلّابٍ” يخجّلوكَ بنزاهتهم وعفّتهم ونجابتهم ونُبلهم وعزّة نفوسهم، ولا شكَّ في إنّ المطهريّ لا يقصدُ بحديثهِ هؤلاءِ، بل عنا بعضُ معمّمي تلكَ المرحلةَ التي عاشها، والذينَ كانوا يرفضونَ تنظيمَ أمورِهمُ الماليّةِ، ويتمنّعونَ من قبولِ أيّ شيءٍ يقيّدُ انفلاتِهمُ، أمّا اليومُ فقد قَفزتْ الحوزةُ قفزاتٍ كبيرةً نحو الأمامِ، لكنّها بقيتْ تعاني من مخلّفاتِ التربيةِ الحوزويّةِ السابقةِ، ولا زالَ “الفسادُ الماليّ والإداريّ والتنظيميّ” معشعشاً في دوائرِ مكاتبِ وحوزاتِ “بعضِ” المرجعيّاتِ الدينيّةِ بعرضِها العريضِ، وحديثُنا أيضاً: مع “بعضِ” معّميّ هذه المرحلةِ، الذينَ نصبوا الدينَ شراكاً لمآربِهمُ وطموحاتِهمُ ومرجعيّاتِهمُ وبطانتِهمُ وأسرهِمُ وأولادِهمُ.
2ـ كنتُ أتمنّى على بعضِ المرجعيّاتِ الدينيّةِ التي قررتْ أصالةَ الاحتياطِ وجشوبةَ العيشِ منهجاً لسلوكِها، أن تهذّبَ شهوةَ الاصطيادِ لدى وكلاءِها، وأن تطالبَهم بكشفِ ذِمَمِهمُ الماليّةِ، وأن تعلنَ جهاراً نهاراً ما لها وما عليها؛ لكي تنفذَ نصائحِها للغيرِ حينذاكَ، وأرجو منهمُ أيضاً أن يعرفوا: إنّ كثيراً من المرجعيّاتِ الدينيّةِ لم تصلْ إلى ما وصلتْ إليهِ إلا بعدَ أن بدأتْ #بأصالةِ البراءةِ لتنتهي إلى رفعِ شعارِ #أصالةِ الاحتياطِ بعد أن تُثنى الوسادةُ لها، وللهِ في خلقهِ شؤونٌ وشؤونٌ.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...