لماذا قُتل نجل الأصفهاني؟! (2)

29 سبتمبر 2016
1054
ميثاق العسر

في يومِ الأربعاء الموافقِ: (16/09/1930م) كتبَ القنصلُ الشاهنشاهي الإيرانيّ في مدينةِ النجف الأشرف تقريراً رفعهُ إلى سفارةِ بلادهِ في بغداد؛ ليكشفَ من خلالهِ عن خلفيّاتِ حادثِ القتلِ الذي حصلَ في تاريخِ: (16/صفر/1349هـ ق) الموافقِ: (13/07/1930م تقريباً)، في ضريحِ الإمامِ عليّ (ع)، والذي قُتل فيه السيّدُ حسن الأصفهاني، بتوسّطِ الشيخِ علي الأردهالي القمّي. وسنعمدُ إلى ترجمةِ […]


في يومِ الأربعاء الموافقِ: (16/09/1930م) كتبَ القنصلُ الشاهنشاهي الإيرانيّ في مدينةِ النجف الأشرف تقريراً رفعهُ إلى سفارةِ بلادهِ في بغداد؛ ليكشفَ من خلالهِ عن خلفيّاتِ حادثِ القتلِ الذي حصلَ في تاريخِ: (16/صفر/1349هـ ق) الموافقِ: (13/07/1930م تقريباً)، في ضريحِ الإمامِ عليّ (ع)، والذي قُتل فيه السيّدُ حسن الأصفهاني، بتوسّطِ الشيخِ علي الأردهالي القمّي. وسنعمدُ إلى ترجمةِ هذا التقريرِ ترجمةً حرفيّةً تقريباً [وما بين قوسين إيضاح منّي]؛ والذي حملَ الرقمَ: (17803ـ 310102)، في أرشيفِ وزارةِ الخارجيّةِ الإيرانيّة، كما نشرَ ذلكَ الباحثُ الإيراني المعاصرُ “محمد حسين منظور الأجداد” في كتابهِ الشهير: “مرجعيت در عرصه اجتماع وسياست”.
#جاء في التقريرِ ما يلي:
«سعادةُ السفيرِ الشاهنشاهي الإيراني في بغداد دامتْ شوكتهُ:
في الرابعِ والعشرين من الشهرِ الجاري [أي 24/07/1930] قَدِمَ إلى النجفِ رئيسُ محكمةِ الاستئنافِ ورئيسُ محكمةِ عدلِ الحلّةِ، فعُقدتْ محكمةٌ عُليا لمحاكمةِ الشيخِ علي القمّي، والذي قتلَ السيّدَ حسن، [نجلَ السيّدِ أبو الحسنِ الأصفهاني].
مَثُلَ المتّهمُ أمامَ المحكمةِ بحضورِ الشهودِ، ولمّا طلبَ السيّدُ القاضي من أحدِ الشهودِ الإدلاءَ بشهادتهِ مجدّداً، بادرَ المتّهمُ قائلاً: لا حاجةَ إلى شهادةِ الشهودِ، مُرهمْ يا سيّدي القاضي بالخروجِ من القاعةِ؛ فأنا من قتلتُ السيّدَ حسن [نجلَ الأصفهاني]، وأقرُّ واعترفُ بذلكَ. طلبَ القاضي من الشهودِ المغادرةَ، ليسألَ المتّهمَ بعدها: لماذا قتلتَ السيّدَ حسن [نجل الأصفهاني]، أوضحْ سببَ ذلكَ مفصّلاً؟!
أجابَ [المتّهمُ الشيخُ علي القمّي]: منذُ فترةٍ وأنا أمرّ بظروفٍ معيشيّةٍ صعبةٍ للغايةِ، وكانَ السيّدُ أبو الحسن [الأصفهاني] لا يمنحُني سوى رغيفينِ من الخبزِ في اليومِ الواحدِ [حيثُ كانَ الأصفهانيُّ يوزّعُ خُبزاً في حوزةِ النجفِ على طلّابها]، وقد طرقتُ أبوابَ جميعِ العلماءِ وشرحتُ لهمُ حالتي فلم يعتنوا بي، فذهبتُ إلى: [1] الأغا ضياء الدين العراقي، وشرحتُ له الحالَ، فأجابني: أنا خالي الوفاض مثلكَ؛ فإذا وجدتَ أحداً دلّني عليه لنذهبَ إليهِ سويّةً لنعرّيه. وذهبتُ إلى: [2] الميرزا علي الأغا الشيرازي [حفيد المجدّد الشيرازي] فطردوني من البابِ. وذهبتُ إلى: [3] الشيخ المامقاني فأجابني أنا رجلٌ تركيّ!!! وذهبتُ إلى: [4] الميرزا النائيني فلم يعتنِ بي.
حتّى حلَّ يومُ الواقعةِ، وكنتُ صائماً صوماً استيجاريّاً، [وكانَ هذا في شهرِ تموّز]، وبقيتُ في داخلِ المدرسةِ حتّى ظهرِ ذلكَ اليوم، ولم أكنْ أملكُ شيئاً للإفطارِ على الإطلاقِ، لا سُكرّاً، ولا شاياً، ولا أكلاً، نعم لا أملكُ أيَّ شيءٍ… خرجتُ من المدرسةِ وذهبتُ إلى البقّال المجاورِ لها والذي كانَ يُقرضني على الدوامِ وأوفّيه بعد ذلك، فطلبتُ منهُ أن يُقرضني “قِراناً واحداً” فرفضَ ذلك. قَدمتُ إلى بدايةِ السوقِ فكان هناك بقّالٌ أعرفهُ، فتناولتُ بطّيخةً [رقيّة]، وقلتُ له سأوفّيك ثمنها لاحقاً، فرفضَ ذلك. ذهبتُ إلى “سوقِ الحويش”، وطلبتُ من أحدِ العطّارينَ حفنتينِ من الشايِ والسُكّرِ، فرفضَ ذلكَ أيضاً!
رجعتُ إلى المدرسةِ كالمجنونِ، أحسستُ بنارٍ ملتهبةٍ في داخلي، ألقيتُ نفسي في حوضِ الماءِ الذي في وسطها عرياناً، بعد ذلك عدتُ إلى غرفتي، وكتبتُ رسالةَ استعطافٍ واسترحامٍ إلى السيّدِ أبو الحسن الأصفهاني ليقدّمَ لي إعانةً، وذكرتُ فيها: إنّ حالتي يُرثى لها، وإنّا صائمٌ، ولا يوجدُ لديّ شيءٌ للإفطار!!
فحملتُ الرسالةَ بنفسي وذهبتُ إلى بيتِ السيّدِ الأصفهانيّ، وحينما دخلتُ إلى واحةِ بيتهِ رأيتُ نجلَهُ السيّدَ حسن واقفاً يتحدّثُ من داخلِ الإيوانِ مع جماعةٍ، أعطيتُ الورقةَ إلى الخادمِ كي يوصلها إليهِ، فناداهُ السيّدُ حسن من الأعلى: بأنَ أرجعْ الورقةَ إليهِ. فرمى الخادمُ الورقةَ عليَّ. وحينما أخذتُ الورقةَ وأردتُ أن أصعدَ بنفسي إليهِ، أمرَ الخدمَ بأن ينزلوني من درجاتِ السلّمِ، ورموني خارجَ البيتِ!!! فرجعتُ إلى المدرسةِ فاقداً للشعورَ، فألقيتُ نفسيّ في حوضِ الماءِ مرّةً ثانيةً وأنا في حالةِ جنونٍ.
وحينما حلَّ الغروبُ رجعتُ مرّةً ثانيةً إلى بيتِ السيّدِ أبو الحسن [الأصفهاني]، وفي هذا الوقتِ خرجَ [نجلهُ] السيّد حسن من المنزلِ ليذهبَ إلى الصلاةِ في صحنِ الإمامِ عليّ (ع)، وقد التمستهُ من بيتهِ وحتّى الصحن [الشريف] بأن يدفعَ ليَ مبلغَ إفطارِ هذا اليومِ على الأقلِّ فرفضَ ذلك!!!!
فجئنا سويّةً إلى الصحنِ [الشريفِ] وأدّينا صلاةَ المغربِ سويّةً، فرأيتُ بعدها: إنّ الجوعَ والعطشَ قد آخذَ منّي مآخذاً كبيراً، فجئتُ إلى السيّد حسن لأشرحَ له حالتي؛ علّهُ يترحّمُ عليَّ، فقالَ لي: أ لم تجدْ أحداً غيرَنا فتطلبَ منه؟! أغربْ عن وجهي فلا يوجدُ لديّ شيءٌ!!
فرجعتُ وقد سئمتُ الحياةَ التي لا طاقةَ لي للعيشِ فيها، فرجعتُ من دون شعورٍ إلى السيّد حسن مرّةً ثانيةً وقلتُ له أنا صائمٌ وجائعٌ، فلم يعتنِ أيضاً!!!!
وحينها أخرجتُ سكّيناً من جيبي فطعنتهُ، ولا أعلمُ أينَ وقعتْ طعناتي، وكان بنائي أن أطعنَ نفسي بعد ذلكَ، وأضربَ بطني بالسكّين، لكنّي جبنتُ بعد أن وقعتْ الواقعةُ والاضطرابُ الذي حصلَ بعد ذلكَ، ولم استطعْ إلا أن أوصلَ نفسي إلى مركزِ الشرطةِ، وكان السكّينُ بيدي حتّى ألقيته قريبَ هذا المركز. هذه هي الحقيقةُ، وإذا كنتمُ تدّعونَ القانونَ والعدالةَ فأحكموا بالعدلِ.
وبعدَ إفادةِ المجرمِ [كما يعبّرُ القنصلُ]، استجوبَ القاضي أربعةً من الشهودِ أيضاً، وبعدَ ذلكَ أخرجَ الجميعَ من قاعةِ المحكمةِ. وبعدَ ساعةٍ مَثُلَ المجرمُ أمامهَ ليقرأَ عليهِ الحُكمَ، وهو: السجنُ المؤبّدُ مع الأعمالِ الشاقّةِ.
فسألَ المجرمُ القاضي: ما هي المادّةُ التي استندتْ إليها المحكمةُ في هذا الحكمِ؟
فقالَ القاضي: وفقاً للمادّةِ: (112) من قانونِ العقوباتِ.
وبعد إعلانِ الحكمِ اعترضَ مجموعةٌ من العلماءِ عليهِ؛ إذ كانوا يطالبونَ بإعدامهِ، وقد فكّرَ الشيخ جواد الجواهري وأمثالُه بتشكيلِ مجلسٍ من العلماءِ وحُججِ الإسلامِ، ليقدّمَ شكوى على هذا الحكمِ، ويرفعوها إلى الملكِ فيصل؛ ليأمرَ باستئنافِ الحكمِ لكي يُعدم، وأمّا بعضُ العلماءِ فقد كانوا مستبشرينَ لعدمِ إعدامهِ. نسخةٌ منه إلى وزارة العدل. نسخةٌ منه إلى رئاسة الوزراء».
سنعودُ في الحلقةِ القادمةِ إلى إكمالِ تداعيّاتِ الموقفِ، والتعليقِ على هذه القصّةِ. (يُتبع).


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...