فقدان المصحف الإمام+تعدّد القراءات دليل عدم الدّستوريّة!!

4 مارس 2021
173
ميثاق العسر

قد يقول قائل: إنّ ما بين أيدينا من نسخة للقرآن إنّما هي نسخة متطابقة تمام التّطابق مع الأصل الّذي كتبه عثمان وموظّفوه وهو المسمّى في عرفهم بـ “المصحف الإمام” والّذي نصطلح عليه وعلى ترشّحاته ومظاهره ونِسَخه بـ القرآن البعدي، ولهذا فكما كان لمعاصري تلك المرحلة قدرة على قراءة نسخ المصحف الإمام بخطوطها الخالية من التّنقيط […]


قد يقول قائل: إنّ ما بين أيدينا من نسخة للقرآن إنّما هي نسخة متطابقة تمام التّطابق مع الأصل الّذي كتبه عثمان وموظّفوه وهو المسمّى في عرفهم بـ “المصحف الإمام” والّذي نصطلح عليه وعلى ترشّحاته ومظاهره ونِسَخه بـ القرآن البعدي، ولهذا فكما كان لمعاصري تلك المرحلة قدرة على قراءة نسخ المصحف الإمام بخطوطها الخالية من التّنقيط والحركات الإعرابيّة، فنحن أيضاً نمتلك قدرة على ذلك، ومن ثمّ: فوجود التّنقيط والحركات وعدم وجودها لا يضرّ بأصل دستوريّة القرآن الدّائميّة طالما وصلتنا النّسخة النّهائيّة منه، والّتي اتّفق الجميع على كونها متطابقة مع القرآن الصّوتي الّذي أرادته السّماء حسب الفرض، وبالتّالي: فالحجّة علينا فهمنا وطريقة قراءتنا لها، ولا علاقة لنا بفهم غيرنا ممّن يتأثّر بمماحكات النّحويّين وصناعتهم!!

لكنّ ما غاب عن هؤلاء: أنّنا لا نمتلك ولا نسخة واحدة بل ولا حتّى آية يتيمة أيضاً من نسخ مصحف عثمان المسمّى بـ: “المصحف الإمام”، وكلّ ما بين أيدينا هو نسخ قرآنيّة متأخّرة جدّاً كان قد عمد مجموعة من القرّاء بناءً على اجتهاداتهم ـ كما هو التّحقيق ـ لإقرائها من نسخ المصحف الإمام الّتي كان قد وزّعها عثمان على الأمصار، وإسماعها بعد ذلك إلى تلامذتهم، فقام هؤلاء بنقلها وروايتها إلى غيرهم، وقد تأثّر هذا الأمر بتطوّرات الخطّ العربي وقواعد علم النّحو…إلخ بطبيعة الحال.

ولو سلّمنا جدلاً وفرضاً ـ ولا نسلّم ـ أنّ بعض القراءات القرآنيّة إنّما هي أخبار مرويّة عن الرّسول، وأنّ الرّسول كان يقرأ بهذا النّحو المتغاير والمتخالف والمتعارض أو أنّه أباح وأجاز ذلك، أو أنّ أهل الأمصار كانوا يقرأون وفقاً لقراءة الصّحابيّ الّذي كُلّف بإقرائهم، لكن تبقى المشكلة قائمة في القيمة المعرفيّة لأسانيد هذه الأخبار مع عدم وثاقة جملة من أصحاب القراءات أنفسهم، وإذا صحّ إسنادها المفترض إلى الرّسول فهو لا يصحّح المكتوب وإنّما المسموع، وبالتّالي: فما هي الكيفيّة الّتي نسلكها للتوثّق من إقرار الرّسول لرسمها وهو أميّ لا يقرأ ولا يكتب كما هو رأي عموم علماء الإسلام، بل لا يوجد دليل لفظيّ واحد يدلّ على مراجعته للمكتوبات أيضاً.

في ضوء هذه المشكلة المعقّدة جدّاً ينبثق الإشكال الأصوليّ الفقهيّ المعروف حول البيان الّذي يصلح الاستناد إليه لإثبات حجيّة وتنجيز هذه القراءات أو إحداها في ذمة المسلم المعاصر، وما هو الأساس العقلي الّذي تستطيع السّماء عن طريقه معاقبة وإثابة ومحاسبة البشر في طول عمود الزّمان وبمختلف لغاتهم وألوانهم على نصّ دينيّ لم تُقدم لا على كتابته بنفسها، ولا بإشرافها، بل ولم توصل لهم نسخة واحدة ـ ولا سورة ولا آية ـ من المصحف البعديّ المكتوب لاحقاً، وإنّما تركتهم حائرين خائرين دائرين بين تجاذبات واجتهادات لا أوّل لها ولا آخر، مع نصّ متعارض متشاكس متعاكس فيه: النّاسخ والمنسوخ، العامّ والخاص، والمطلق والمقيّد، والمجمل المبيّن… إن هذا إلّا عجب عُجاب، فتأمّل كثيراً كثيراً إن كنت من أهله، والله من وراء القصد.

https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3600498510072447


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...