فرية لولا فاطمة لما خلقتكما!!

29 يناير 2017
1480
ميثاق العسر

#كثيراً ما قرع سمعك حديثٌ يُقال بأنّه قدسيّ ينتشر على المنابر والفضائيّات الشّيعيّة يقول: “يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما”، وكثيراً ما سمعت لغة الجّزم والقطع الّتي يوظّفها بعضهم في طرحه وتناوله، تعالوا معي سويّة لنبحث عن جذور “هذه الصيّغة من الحديث” ـ وأتمنّى التّركيز على ما […]


#كثيراً ما قرع سمعك حديثٌ يُقال بأنّه قدسيّ ينتشر على المنابر والفضائيّات الشّيعيّة يقول: “يا محمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما”، وكثيراً ما سمعت لغة الجّزم والقطع الّتي يوظّفها بعضهم في طرحه وتناوله، تعالوا معي سويّة لنبحث عن جذور “هذه الصيّغة من الحديث” ـ وأتمنّى التّركيز على ما بين قوسين ـ في تراثنا الرّوائي؛ لنعرف من خلال ذلك قيمته الروائيّة الّتي تسوّغ لنا شرعاً نقله وتداوله، ونعرف في نفس الوقت الأسباب الّتي تكمن وراء انتشار هذا الحديث في ثقافتنا الشيعيّة المعاصرة.
#يبدو إن أوّل من طالعنا بهذا الحديث #مسنداً هو الشّيخ أو السيّد حسن ميرجهاني “1901ـ1992م” في كتابه الفارسي «الجنّة العاصمة في تاريخ ولادة وحالات فاطمة»، وهو خطيب إيراني ولد في مدينة أصفهان، درس مقدّمات الحوزة هناك، وانتقل بعد ذلك إلى حوزة النّجف ليدرس بعض الشيء عند أساتذتها ليصبح في حاشية المرحوم أبو الحسن الأصفهاني ومسؤولاً عن الأمور الماليّة في مرجعيّته أيضاً بالإضافة إلى ممارسته مهنته الأصليّة وهي الخطابة، انتقل بعد ذلك إلى إيران متنقّلاً بين مشهد وطهران وقم وأصفهان حتّى وافاه الأجل في مدينة أصفهان ليُدفن في مقبرة العلّامة المجلسي، ومن الضّروري التنويه إلى: إنّ المرحوم ميرجهاني كان يعتمر العمامة البيضاء فترة طويلة من حياته حتّى اكتشاف علويّته في أيّام مرجعيّة المرحوم البروجردي، مُدّعياً إنّه من نفس سلالة البروجردي ومحسن الحكيم، وإنّ سبب إخفاء نسب إسرته يعود إلى أيّام هجوم الجّيش الأفغاني على مدينة أصفهان قبل أكثر من ثلاثمائة سنة؛ حيث قام أجداده بقتل أحد الجنّود واضطروا للتخفّي في قرية وإخفاء نسبهم عن النّاس في قصّة طبعها ونشرها في الحفل الّذي حصل في المدرسة الفيضيّة بمدينة قم بمناسبة اكتشاف علويّته!!! [كنجينه دانشمندان: ج2، ص415].
#وكيف ما كان دعونا نعود إلى حكاية هذا الحديث وسنده كما نقلها المرحوم ميرجهاني في كتابه الجنّة العاصمة، وخلاصتها: إنّه قد تشرّف ذات يوم بزيارة المرحوم الشّيخ محمد السّماوي “1875ـ1951م” مؤلّف إبصار العين في أنصار الحسين لأخذ كتاب من مكتبه، وفي الأثناء لفت نظره كتاب خطّي كان قد وضع أمامه، فسأله عن اسمه فأجابه السّماوي بأنّه كتاب كشف الّلآلي لابن العرندس الحّلي، فناوله السّماوي الكتاب وأخذ يقرأ بعناوينه فعثر على سند لهذا الحديث القدسي الّذي كان يسمعه من بعض الكبار دون أن يعرفوا سنده بل رماه بعضهم بالوضع على حدّ تعبيره، والسند هو ما يلي:
#في كتاب كشف الّلآلي لصالح بن عبد الوهاب بن العرندس أنّه روى عن الشّيخ إبراهيم بن الحسن الذّرّاق، عن الشّيخ علي بن هلال الجّزائري، عن الشّيخ أحمد بن فهد الحلّي، عن الشّيخ زين الدّين علي بن الحسن الخازن الحائري، عن الشّيخ أبي عبد الله محمد بن مكّي الشّهيد، بطرقه المتّصلة إلى أبي جعفر محمد بن علي بن موسى بن بابويه القمّي، بطريقه إلى جابر بن يزيد الجّعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول الله “ص”، عن الله تبارك وتعالى أنّه قال: يا أحمد، لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك، ولولا فاطمة لما خلقتكما. ثمّ قال جابر: هذا من الأسرار الّتي أمرنا رسول الله ص بكتمانه إلّا عن أهله». [الجنّة العاصمة: ص284، بالفارسيّة].
#وبغض النّظر عن عدم وجود قيمة رجاليّة لمثل هذه السّند حتّى مع الإيمان بواقعيّة سلسلته لكنّ الفقيه السيّد شبيري الزّنجاني [وهو من كبار المراجع والرجاليّين المعاصرين في مدينة قم] يرى إنّ هذا السّند مكذوب وموضوع جزماً؛ وذلك لسببين:
#الأوّل: إنّ ابن العرندس مؤلف الكتاب توفّي سنة: “840 هـ”، ومن نقل عنه وهو إبراهيم بن الحسن الورّاق توفّي في سنة: “910هـ” تقريباً، كما إنّ الشّيخ علي بن هلال الجّزائري توفّي في سنة: “910هـ” تقريباً أيضاً، فكيف نقل ابن العرندس عنهما؟!
#الثّاني: إنّ أصحاب المكتبات الخطّيّة لا يسمحون في العادة لأيّ أحد بالدّخول إلى باحة مكتباتهم؛ لأنّ هذا الأمر يكلّفهم الكثير من المخاطر المادّية والمعرفيّة أيضاً حيث السطو والسّرقات، وقد كان المرحوم محمد السّماوي من هذا القبيل أيضاً؛ إذ لم يكن يُدخل أحداً للاطّلاع على مضامين مخطوطاته على الإطلاق، بل حتّى لم يكن يعير كتاباً مطبوعاً إلّا بوثيقة، وهذا الأمر يعرفه كلّ من عاصره ونقل عنه أيضاً، وعلى هذا الأساس فكيف تمكّن الخطيب ميرجهاني من الدّخول ونسخ ما يريده بهذه البساطة وبحضور السّماوي نفسه؟! [جرعه از دريا، ج2، ص685ـ686 بالفارسيّة].
#وبعد أن عرفنا الحال في سند هذا الحديث وقيمته الرجاليّة على لسان كبير الرّجاليين المعاصرين الزّنجاني دعونا ننتقل الآن إلى عمليّات النّحت الكلاميّة والفلسفيّة والعرفانيّة الّتي يمارسها بعض المعاصرين في سبيل تثبيت واقعيّة هذا الحديث وترويجه في ثقافة الطّائفة الشّيعيّة:
#جاء في كتاب مقامات فاطمة الزّهراء في الكتاب والسنّة: «ما ورد في الحديث القدسي: «لولاك ما خلقت الأفلاك؛ ولولا عليّ لما خلقتك؛ ولولافاطمة لما خلقتكما جميعاً»، ولتفسير الحديث ثلاثة أوجه:
#الأول: الوجه الكلامي: …إنّ الغرض والغاية من خلق بدن الرسول‏ “ص” في النشأة الدنيوية وابتعاثه لا يكتمل إلّا بالدور الذي يقوم به عليّ وفاطمة “ع” من أعباء إقامة الدين‏ وإيضاح طريق الهداية… .
#الثّاني: الوجه الفلسفي: …حاصل ما يعنيه أنّها “ع” من الوسائط التي بمثابة غايات‏ شريفة تتلو الغاية النهائيّة في المقام.
#الثّالث: الوجه العرفاني: …ومحصّله هو التنويه بالذات النوريّة للخمسة أصحاب الكساء، وأن بذواتهم ‏النورية اشتّق الله خلق بقية المخلوقات، وهو نظير ما ورد بروايات الفريقين: أوّل‏ ما خلق الله نور نبيّك يا جابر…» [مقامات فاطمة الزّهراء: ص87ـ90].
#أقول: لا أريد أن أعلّق على هذا “الخبن المنبري” ولكن: هل صدّقتم كيف يمكن أن تُسوّق وتركز في ثقافتنا الشّيعيّة رواية موضوعة لا أصل ولا فصل لها في الكتب الروائيّة ولم تمرّ على ولادتها سوف عقود قليلة من الزّمن؟! وهل رأيتم كيف يقوم بعض المعاصرين بمنحها صورة برهانيّة بصيغ كلاميّة وفلسفيّة وعرفانيّة ودفع خطباء المنبر إلى طرحها على المنابر الشّيعيّة لتتسمّر في قلوب ضعاف الشّيعة لتزييف وعيهم؟! إرجع إلى الوراء بهذه الطّريقة التحقيقيّة التّتبعيّة وأقرأ النّصوص الروائيّة الراكزة في الثّقافة الشّيعيّة وسوف تكتشف العجب العجاب.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...