فتاوى فقهيّة أبعدت الشيعة عن القرآن

30 سبتمبر 2016
1334
ميثاق العسر

ثمّة أسباب متنوّعة تكمُن وراء ابتعاد المجتمع الشيعي عن القرآن الكريم، بعضها يعود إلى: تأثيرات مباشرة ترتبط بأصل المنهج الاجتهادي الذي ينطلق منه علماء الشيعة في التعاطي مع النصوص الدينيّة، وبعضها يعود إلى: تأثيرات غير مباشرة تفرضها بعض الفتاوى الفقهيّة لعلماء الشيعة أنفسهم. سأتناول اليوم مثالاً عمليّاً للتأثيرات غير المباشرة، والتي ساهمت بشكلٍ وبآخر في […]


ثمّة أسباب متنوّعة تكمُن وراء ابتعاد المجتمع الشيعي عن القرآن الكريم، بعضها يعود إلى: تأثيرات مباشرة ترتبط بأصل المنهج الاجتهادي الذي ينطلق منه علماء الشيعة في التعاطي مع النصوص الدينيّة، وبعضها يعود إلى: تأثيرات غير مباشرة تفرضها بعض الفتاوى الفقهيّة لعلماء الشيعة أنفسهم. سأتناول اليوم مثالاً عمليّاً للتأثيرات غير المباشرة، والتي ساهمت بشكلٍ وبآخر في إبعاد المجتمع الشيعي عن القرآن، ليتحوّل هذا الأمر إلى ثقافة عمليّة خاطئة راسخة لا يمكن استئصالها وعلاجها إلا من خلال معالجات واقعيّة من مراجع الدين أنفسهم، نأمل أن تُعطي ثمارها على الأجيال القادمة.
نصّ مشهور الفقهاء على وجوب قراءة سورة (كاملة) بعد الفاتحة في الصلاة الواجبة بناءً على وجوب ذلك، وحَكَموا بعد إجزاء قراءة بعض الآيات من السورة، قال السيّد اليزدي في العروة الوثقى:
(يجب في صلاة الصبح والركعتين الأوّلتين من سائر الفرائض قراءة ‌سورة الحمد وسورة كاملة غيرها)، ج1، ص643.
وحيث إنّ الإنسان بطبيعته يبحث عن الأسهل والأقصر فلا تجد في واقعنا الشيعي من يقرأ في صلاته سوى سورة الإخلاص أو ما شابهها من السور القصيرة جدّاً، وبهذه الفتوى سمح فقهاء الشيعة لمقلّديهم أن يفرّطوا بطراوة وحلاوة تلك الآيات القرآنيّة العظيمة التي تُرغّب الإنسان برحمة خالقه وترهّبه بعذابه في عموم السور القرآنيّة الكريمة؛ لأن قراءتها دون سِوَرها التي جاءت فيها غير مجزئ.
لا أدعو بذلك إلى تكريس منهج الاستحسان والانتقائيّة في الاجتهاد والافتاء كما يمارسه بعض معاصرينا؛ بل ينبغي السير وفقاً لما توصّل إليه الفقيه من قناعات بحثيّة واجتهاديّة مدلّلة؛ ولكن: أعرّض بذلك لأن أغلب فقهاء الشيعة المعاصرين يذهبون في بحوثهم الفقهيّة إلى إجزاء قراءة آيات من الذكر الحكيم، الأمر الذي يعني: إن قراءة آيات من السورة بعد الفاتحة لا إشكال في إجزاءه أصلاً، لكن أغلبهم حينما يصلون إلى مرحلة الإفتاء وكتابة الرسالة العمليّة يحتاطون في عدم جواز ذلك، ويقرّروا: وجوب قراءة سورة كاملة على الأحوط؛ بغية فتح نافذة للخروج من تحمّل المسؤوليّة، فهم يفكّرون في كيفيّة تحقيق الحدّ الأدنى من الإجزاء صناعيّاً، دون لحاظ الآثار المجتمعيّة الرهيبة التي يخلّفها هذا الّلون من الفتاوى.
وفي قناعتي: إن كثيراً من هذه الاحتياطات نتجت من مصادرة نفسيّة غير شعوريّة تستند إلى قراءة خاطئة لمقولة: (الرُشد في خلافهم)؛ إذ الراكز في المخيال الشيعي خطأً: إن جميع ما يقوله أهل السنّة باطلٌ ينبغي الافتاء على خلافه حتّى وإن قام الدليل عليه، بل ينبغي ممارسة الخلاف عمليّاً أيضاً؛ فإذا قرأ أهل السنّة آيات من الذكر الحكيم بعد الفاتحة فلا بدّ وأن نقرأ سورة كاملة لكي نمتاز عنهم، وإذا قرأوا الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة، فلا بدّ وأن نأتي بالتسبيحات رغم إن الفقهاء يجوّزون الطريقتين، وهكذا تحوّل الأمر إلى ثقافة راسخة في عمق المجتمع الشيعي لا يمكن التنازل عنها، ليكون شعار الشيعة في الأعصار والأمصار كما يعبّر عن ذلك الوحيد البهبهاني.
أرفع القبّعة لبعض الفقهاء المعاصرين الذين تجاوزوا هذا الخوف غير المبرّر، ونصّوا في رسائلهم العمليّة على إجزاء قراءة آيات من السورة، ولا ضرورة لقراءة سورة كاملة، مع إغماض الطرف عن المبنى الفقهي الذي دعاهم لذلك، لكن أأمل أن تتحوّل هذه الفتاوى إلى ظاهرة نتجاوز بها نمطيّة السور القصار الراسخة في المصلّي الشيعي، بغض النظر أيضاً عن ثواب قراءتها الذي يتطلّب بحثاً مستقلاً، واتمنّى على هؤلاء الفقهاء أن يطلبوا من أئمة الجماعة والجُمع من طلّابهم أن يحوّلوا هذه الفتوى إلى ثقافة مجتمعيّة؛ ليعيّشوا الناس الذين يصلّون وراءهم لحظات معنويّة رائعة؛ حينما يُسمعونهم آيات الرحمة والغفران الإلهيّة بأصوات حزينة، كما نلاحظ هذا الأمر عند أهل السنّة والجماعة؛ فالخلاف لا يمنع من الإنصاف.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...