سايكلوجيّة الفتوى (3)

7 أكتوبر 2016
694
ميثاق العسر

تصوّر لو إنّك أخرجت خمس أموالك وقطعت المسافات إلى بغداد، إلى شيخ المذهب وزعيم الطائفة الشيعيّة حينها؛ أبا عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري الملقّب بالمفيد (336ـ413هـ)، دخلت مجلسه العامر، سلّمتَ عليه وأدّيتَ التحيّة، فأجلسك إلى جنبه، والتفت إليك قائلاً: ما مسألتك يا ولدي؟ أخبرته بأنّ لديك أرباحاً وتجارات، وقد أخرجت خمُسها، وأحترتَ […]


تصوّر لو إنّك أخرجت خمس أموالك وقطعت المسافات إلى بغداد، إلى شيخ المذهب وزعيم الطائفة الشيعيّة حينها؛ أبا عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري الملقّب بالمفيد (336ـ413هـ)، دخلت مجلسه العامر، سلّمتَ عليه وأدّيتَ التحيّة، فأجلسك إلى جنبه، والتفت إليك قائلاً: ما مسألتك يا ولدي؟ أخبرته بأنّ لديك أرباحاً وتجارات، وقد أخرجت خمُسها، وأحترتَ في مصرفه، وما وجدت مأوى غيرك يا شيخ الطائفة وزعيمها، وكلّك وثوق بأن دفعه إليه سيبرّأ ذمتك أمام الله تعالى منه.
تبسّم المفيد وربّت على كَتِفك، وشكركَ على كلّ هذا التسليم والإذعان، وقال: ما كان ينبغي عليك يا ولدي أن تتجشّم عناء كلّ هذا الطريق، فالأمر ليس كما حسبت، أ لم تقرأ كتابي المقنعة؟! هرول غلمانه إلى مكتبته العامرة فجلبوا له الكتاب المذكور، فتحه وقلّب صفحاته وحدّق في سطوره ثمّ قال: يا ولديّ إن مصرف الخمس في زمن الغيبة أمرٌ محيّر، ومع إنّ السنوات التي تفصلنا عن زمن الغيبة الصغرى يسيرة جدّاً، لكن أصحابنا اختلفوا فيه اختلافاً شديداً؛ فمنهم: من أسقطه اعتماداً على الأخبار التي نصّت على ذلك، ومنهم: من رأى ضرورة الاحتفاظ به وكنزه؛ وتحجّج في ذلك بروايات من قبيل: إن الأرض ستخرج كنوزها للمهدي حين ظهوره…، أمّا أنا يا ولدي فقد رجّحت في “سهم الإمام” قول من يرى من أصحابنا وجوب عزله لصاحب الأمر (ع)؛ فإذا خفت ادراك المنيّة فعليك أن توصي به إلى من تثق بدينه وعقله ليسلّمه إليه “ع” بعد ظهوره، وهكذا حتى يصل إليه!!!، المقنعة، ص286.
بدا الاستغراب على ملامحك واضحاً؛ فاعترضت على المفيد قائلاً: أ ليس هذا تضييعاً للأموال يا زعيم الطائفة ونحن لا نعلم وقت ظهوره وربّما يمتد إلى آلاف السنين؟! #لماذا لا تصرفه على حوزاتك وطلّابك ومكاتبك وبعثات حجّك واستنساخ كتبك، أ رأيت لو كان في يدك هذا الخمس لطلبت من النسّاخ أن ينسخوا آلاف النسخ من رسالتك العمليّة؛ لتوزّعها عليّ وعلى أمثالي ولكن بعد أن تغيّر فتواك في الخمس؛ فتروّج بذلك لكلمتهم ومذهبهم “عليهم السلام”؛ أ لا تحرز رضا الإمام بذلك، وأنت نائبه؟!
#أجابك المفيد على الفور: إن هذا السهم يا ولديّ حقّ وجب للإمام الغائب، ولم يرسم الإمام قبل غيبته رسماً فيه ليطلعنا على كيفيّة صرفه، فيجب حفظه إلى وقت إيابه وعودته وظهوره، فكيف يجوز لي أن أصرفه على مدارسي العلميّة وطلّابي وطباعة رسالتي العمليّة التي أغلب الأحكام فيها واحدة ومشتركة؟!
#أقول: رغم إن المفيد شيخ الطائفة وزعيمها، إلا إن إجماع الفقهاء المعاصرين على عدم جواز تقليده ولو في المسائل التي يتّفقون معه مئة في المئة فيها، وبغض النظر عن جميع الأسباب الصناعيّة التي تقف وراء ذلك، لكن ينبغي علينا أن لا نغفل الأسباب السايكلوجيّة الذي دعت إلى ذلك.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...