دعاء الصّباح وكذبة انتسابه لعليّ “ع”!!

16 أغسطس 2020
315
ميثاق العسر

#في سياق كبرى عدم معرفته ودرايته بالأسانيد والنّسخ وعدم اهتمامه واكتراثه بها، أرسل المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر نسبة الدّعاء المسمّى “دعاء الصّباح” إلى عليّ بن أبي طالب “ع” إرسال المسلّمات، ونصّ على أنّ معانيه عظيمة بل ولا متناهية أيضاً، وهي: فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، وإنّه يحفظ فقرة السّجود منه منذ أربعين سنة، وخصّص […]


#في سياق كبرى عدم معرفته ودرايته بالأسانيد والنّسخ وعدم اهتمامه واكتراثه بها، أرسل المرحوم الشّهيد محمّد الصّدر نسبة الدّعاء المسمّى “دعاء الصّباح” إلى عليّ بن أبي طالب “ع” إرسال المسلّمات، ونصّ على أنّ معانيه عظيمة بل ولا متناهية أيضاً، وهي: فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، وإنّه يحفظ فقرة السّجود منه منذ أربعين سنة، وخصّص ثلاثة دروس متتالية في شرحها وإيضاح دقائقها.
#وحينما وصل إلى فقرة: “إلهي وقلبي محجوب”، توقّف مع ما سمّاه أهمّ إشكال في المقام وهو: كيف يمكن تفسير شكوى عليّ بن أبي طالب “ع” من حجب قلبه، وما هو السّبيل لتوجيه تلاؤمها مع توحيد عليّ بن أبي طالب “ع” سيّد الموحّدين، والّذي يصفه الرّسول “ص” بقوله: لا يعرف الله إلّا أنا وأنت؟! وبدأ بعدها على طريقته المعروفة بتكثير الاحتمالات والأطروحات النّاتجة من عدم الفحص والمراجعة في ذكر الإجابات عن ذلك، فكانت الأطروحة الأولى له هي الطّعن في السّند فقال ما ملخّصه:
#في حدود فهمي الاحتمالي كأطروحة ظنيّة أنّ دعاء الصباح صحيح سنداً، إلّا أن هذه الفقرة ربما أضيفت بعد ذلك، ويكفي هذا كاحتمال في ردّ الاستدلال، ومن القرائن الدّالة على ذلك قوله: “ونفسي معيوب”؛ حيث يوجد فيها إشكالان:
#الأوّل: من حيث التأنيث والتّذكير؛ إذ كان المفروض أن يقول: ونفسي معيوبة.
#الثّانية: قوله: “معيوب”؛ فهذه مفردة عاميّة وليست فصيحة، وكان ينبغي عليه أن يقول: مُعاب مثلاً، نعم؛ قد يكون ذلك لضرورة النّسق والوزن والقافية، لكنّ هذه الأمور يمكن أن تكون قرينة ظنيّة على أنّ في هذه الفقرة شيئاً من الخلّة سنداً، وبالتّالي: يرتفع الإشكال من رأس؛ لعدم ثبوت صدور مثل هذا الكلام عنه». [دروس الخارج الفقهيّة لسماحته].
#ويُلاحظ عليه:
#أوّلاً: من الواضحات البيّنات عند من له أدنى مطالعة حتّى لكتاب مفاتيح الجنان ـ وهو المرجع الوحيد الّذي كان لدى المرحوم الشّهيد في هذا الخصوص ـ : أنّ دعاء الصّباح لا سند له، وقد حرص صاحب مفاتيح الجنان المرحوم القمّي المتوفّى سنة: “1359هـ” على تسجيل حال هذا الدّعاء بعد إتمام نقله له من حيث القيمة الحديثيّة عن طريق نقل كلام صاحب البحار، فكيف انبثقت احتماليّة صحّة سند هذا الدّعاء إلى خلد الرّاحل الشّهيد والمعطيات الحصريّة لدى المحدّثين هذا حالها؟!
#ثانياً: نصّ شيخ المحدّثين الاثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ” على أنّ هذا الدّعاء وإن اشتهر في عصره انتسابه إلى عليّ بن أبي طالب “ع”، إلّا أنّه لم يرد في شيء من الكتب المعتبرة على الإطلاق، وإنّما أورده لأوّل مرّة ابن باقي ـ الّذي هو أحد أعلام القرن السّابع الهجري ـ ومن دون سند أيضاً، ونقلَ المجلسي بعد ذلك إجازة الدّعاء لجدّ والده من أمّه من قبل المحقّق الكركي المتوفّى كما هو المشهور سنة: “940هـ”، وأضاف كلاماً ظريفاً عن بعضهم يدّعي وجدانه له بخطّ عليّ “ع” وموقّعاً باسمه في سنة خمس وعشرين من الهجرة، وكاتب هذه السّطور نفسه كان قد نقله من خطّه المبارك بالقلم الكوفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة!! وبعد فرضيّة كون هذه الطّرق هي الحصريّة لهذا الدّعاء فكيف ترشّح احتمال صحّة سند هذا الدّعاء إلى ذهن المرحوم الشّهيد؟!
#ثالثاً: النصّ الّذي حفظه الرّاحل الشّهيد منذ أربعين سنة على حدّ تعبيره، وأرسل نسبته إلى عليّ “ع” إرسال المسلّمات، وأخذ يشرح لطلّابه فقراته، هو مقطع أُرفق في أخر الدّعاء المنسوب بعنوان ما ينبغي أن يُقال في السّجود، وهذا المقطع لم يُذكر في أصل دعاء الصّباح الّذي أورده ابن باقي في كتابه اختيار المصباح، وإنّما ورد في هامش إحدى نسخه فقط، ولهذا قال المجلسي في هامش البحار: «ثمّ اعلم أنّ السّجود والدّعاء فيه غير موجود في أكثر النّسخ، وفي بعضها موجود، وكان في الاختيار مكتوباً على الهامش هكذا: «إلهي قلبي محجوب، وعقلي مغلوب، ونفسي معيوبة…». كما أكّد محقّقو الطّبعة الحروفيّة الصّادرة مؤخّراً لكتاب اختيار المصباح هذه المعلومة من المجلسي، ونصّوا على أنّ هذا المقطع لم يرد في شيء من نسخ الاختيار الّتي اعتمدوها في تحقيقهم، وإنّما جاء في هامش نسخة واحدة فقط، كما أنّ النّسخة الّتي بين يديّ من هذا الكتاب ـ والكلام لي ـ خالية من هذا المقطع أيضاً. [بحار الأنوار: ج94، ص263، تحقيق: محمّد باقر البهبودي؛ اختيار المصباح الكبير: ص283، تحقيق: مهدي الكلبايكاني؛ اختيار المصباح، نسخة خطيّة من مكتبة العتبة الرضوية: الورقة 176].
#رابعاً: القرائن الّتي ذكرها الرّاحل الشّهيد للتّشكيك في سند الدّعاء المفترض من خلال الرّكون إلى مفردة معيوب، معيوبة جدّاً؛ إذ لم نعهد من أحد من المحقّقين في هذا الفنّ وما دونهم أيضاً أن يعمدوا إلى إسقاط المتون والأسانيد عن طريق التأنيث والتّذكير الخاطئ لإحدى مفرداتها؛ بل يعتبرون الاحتمال الأوّل لذلك هو التّصحيف، وكم له من نظير، والمؤيّد لذلك في المقام هو ما جاء في هامش البحار المتقدّم من التّعبير بـ : “معيوبة” لا معيوب، وهو ما أكّدته النّسخة المطبوعة حديثاً أيضاً، فيسقط هذا الاحتمال الّذي ذكره الرّاحل الشّهيد من رأس.
#خامساً: يبدو أنّ المرحوم الشّهيد ـ وعلى عادته في عدم المراجعة والفحص وطرح ما يجول في خاطره دون تمحيص وتدقيق ـ لم يُراجع شيئاً من كتب الّلغة ليعرف أنّ مفردة معيوب هي مفردة عربيّة فصيحة واردة في المصادر، وبالتّالي: كان ينبغي عليه ألّا يصفها بالمفردة العامّية. [راجع في هذا الصّدد: الصّحاح: ج1، ص190؛ لسان العرب: ج1، ص634].
#سادساً: ربّما يبادر أحد العرفاء إلى كتابة دعاء أو مناجاة خاصّة له، فيعمد العاطفيّون المذهبيّون إلى نسبته لعليّ بن أبي طالب “ع” انسياقاً مع قناعات عاطفيّة متوهّمة وتوضع له الأسانيد أيضاً، وإلّا فعليّ “ع” ولحظته الزّمانيّة الّلغويّة بريئة من هذه المفردات البعديّة الّلاحقة بنحو الجزم والحتم، ولو كان الدّعاء مرويّاً في المصادر المتوفّرة عندهم مهما علا أو ضعف أو سقط إسناده لبادر أمثال ابن طاووس المتوفّى سنة: “664هـ” والكفعمي المتوفّى سنة: “905هـ” إلى نقله في مصنّفاتهما، وهما الّلذان أكثرا من النّقل من اختيار ابن باقي في الإقبال والمصباح، هذا إذا قلنا: إنّ ما جاء في بعض نسخ الإقبال من النّقل عن ابن باقي بقلم ابن طاووس نفسه كما هو مختار جملة من الباحثين.
#سابعاً: الظّاهر أنّ المرحوم الشّهيد ـ كما هو حال غيره من المتأثّرين بالشّأن العرفاني ـ حسب أنّ وجود مضامين عرفانيّة متطابقة مع ما هو المقرّر في محلّه عند أهل هذا الفنّ في الدّعاء كافٍ في نسبته إلى الأئمّة؛ لأنّهم يعتقدون أنّ مثل هذه النّصوص لا تصدر إلّا منهم!! وهذا الكلام معيب جدّاً، والثّابت بطلانه أيضاً، ورأينا في دراسات سابقة كيف أقدم أحد العرفاء على كتابة الفقرة الأخيرة من دعاء عرفة، وكيف حكم بعض أساتذة المرحوم الشّهيد بانتسابها القطعيّ إلى الحسين بن عليّ “ع”، مع أنّ علوّ المضمون لا ينتج صحّة انتسابه.
#ثامناً: هذه الفقرات وغيرها ممّا ذكرناه وسيأتي أيضاً تؤكّد بما لا مزيد عليه على أنّ الرّاحل الشّهيد كان يهدف إلى تكثير الاحتمالات الفرضيّة والوهميّة والخياليّة النّاتجة من عدم الفحص والمراجعة من أجل إبطال الاستدلالات في سياق الكبرى الّتي وظّفها توظيفات خاطئة جدّاً والّتي تقرّر: إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال، وقد قلنا فيما سبق: إنّ الاحتمال المبطل للاستدلال هو الاحتمال الموضوعيّ العلمي المبرهن والمتسانخ مع معطيات العلم الّذي يُراد توظيفه فيه، لا المنبثق من عدم المراجعة والفحص والتّكهّنات.
#وأخيراً وليس آخراً: لقد قضى المرحوم الشّهيد وقتاً كثيراً في شرح هذه الفقرات وتأويلها وطرح الاحتمالات في تفسيرها دون أن يكلّف نفسه مراجعة بسيطة لرؤية أساس الدّعاء في مصادره المقرّرة، ومن دون أن يُراجع أبسط الكتب الّلغويّة ليعرف معاني مفرداته أيضاً، بل رأينا كم هو حجم السّقطات العلميّة المدوّية الّتي حملها درسه والّتي تكشف عن أشياء كثيرة جدّاً لا يجرؤ النّاقد الخبير على الإجهار بها، وإذا كان الأمر كذلك فلا ندري كيف تمكّن من تمرير دعوى أعلميّته على عموم مجايليه بما فيهم أساتذته الأموات أيضاً، وكيف استطاع حضّار درسه أن يجزموا بأعلميّة أستاذهم على معاصريه وينجّزوا أصل جواز تقليده فضلاً عن وجوبه؟! إن هذا إلّا عجب عجاب لا تجده في مكان آخر غير العراق، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...