خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها!! الحلقة الثّالثة عشر

2 ديسمبر 2018
769
ميثاق العسر

#نوّهنا في الحلقات السّابقة إلى إنّ الأساس الرّوائي الواصل في احتفاليّة ما يُصطلح عليه في الواقع الإثني عشريّ العربي بـ: “فرحة الزّهراء” أو “عيد بابا شجاع الدّين” كما هو شائع في الواقع الإثني عشريّ الفارسي هو: رواية يتيمة واحدة جاءت في كتابين متأخّرين كما نصّ على ذلك شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي في بحاره وزاد […]


#نوّهنا في الحلقات السّابقة إلى إنّ الأساس الرّوائي الواصل في احتفاليّة ما يُصطلح عليه في الواقع الإثني عشريّ العربي بـ: “فرحة الزّهراء” أو “عيد بابا شجاع الدّين” كما هو شائع في الواقع الإثني عشريّ الفارسي هو: رواية يتيمة واحدة جاءت في كتابين متأخّرين كما نصّ على ذلك شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي في بحاره وزاد معاده، وقد تعرّضنا لقيمة الكتاب الأوّل وهو: “زوائد الفوائد” فأوضحنا ببيانات مفصّلة فقدانه للقيمة المعرفيّة الّتي تسوّغ الاستناد له في الإفتاء مهما كانت طبيعة المبرّرات الأصوليّة الكامنة وراء ذلك، ووصل بنا الحديث إلى استعراض حال الكتاب الثّاني ـ أعني المحتَضر ـ ومؤلّفه أيضاً؛ بغية معرفة قيمته أيضاً قبل الانتقال إلى تفحّص سند الرّواية وقراءة مضامينها كما جاءت في هذين الكتابين فنقول:
#نبذة عن كتاب المحتضر ومؤلّفه
#ثمّة اضطراب وإرسال بيّن في كلمات علماء الدّولة الصّفويّة في ترجمة مصنّف كتاب المحتضر المُسمّى بالحسن بن سليمان؛ وسبب ذلك يعود إلى فقدانهم للمعلومات الكافية عنه باعتباره من مواليد مدينة الحلّة العراقيّة ويبدو إنّه من أصول لبنانيّة أيضاً، ومن هنا وقع الاختلاف حتّى في تفاصيل اسمه، لكن هناك شبه اتّفاق بينهم على إنّه من تلامذة محمّد بن مكّي الجزّينيّ المعروف بالشّهيد الأوّل المتوفّى سنة: “786هـ”؛ وإنّه كان حيّاً في سنة: 802هـ أيضاً؛ أمّا تلمذته على الشّهيد فقد أثبتوها من خلال الإجازة الطّويلة والمفصّلة الّتي عُثر عليها بخطّ الشّهيد لعدّة أشخاص من بينهم المُترجم له كانت قد صدرت في عام: “757هـ” عثر الأفنديّ عليها على ظهر كتاب علل الشّرائع، وأمّا حياته في سنة: “802هـ” فمن خلال إجازة كتبها المُترجم له لعزّ الدّين الجوياني على ظهر كتاب الخصال كانت قد صدرت في نفس هذا التّاريخ، وهناك شواهد وقرائن أخرى لتعزيز هذه المدّعيات يمكن العثور عليها في مظانّها.
#وكيف كان فقد نسب علماء الحقبة الأخيرة للدّولة الصّفويّة كتباً عدّة لهذا الرّجل، لكنّ الطّابع العامّ عليها هو الاغراق في الغلو والأساطير وبأسانيد وكتب مجهولة الحال والاتّصال، وكأنّها مفصّلة بنفس المقاييس المذهبيّة الّتي تنتهجها الدّولة الصّفويّة ومن يقف خلفها، وبالتّالي فإنّ الوثوق باتّصال مثل هذه النّسخ بالمُترجم له محلّ تأمّل ونظر، وتفصيل ذلك في محلّه.
#ومن ضمن الكتب المنسوبة له كتاب سمّاه شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي بـ المحتضر، والكتاب يهدف إلى مناقشة آراء المفيد الّتي لم تقبل ظاهر النّصوص الرّوائيّة الإثني عشريّة الناصّة على حضور النّبي وآله ع إلى الإنسان المحتضِر باعتبار مخالفتها للمعطيات العقليّة، وهو كتاب يتماهى مع رؤية المجلسي الّتي خصّص الجزء السّادس من بحاره لتأكيدها ورمي منكرها بأبشع الأوصاف، وهذا ما سنتعرّض له في دراسة لاحقة، ولعلّ من يقرأ نصوص تلميذ المجلسي المبرَّز يشعر بمدى التّشويش الحاصل في اسم ونسخ هذا الكتاب حيث قال:
#ومن مؤلفاته أيضاً كتاب المحتضر ورسالة في الرجعة على ما نسبهما إليه الأستاد المشار إليه فى البحار، وعندنا أيضاً منهما نسخة، وقد سمى الأستاد الكتاب الأوّل بالمحتضر بالحاء المهملة والضاد المعجمة؛ لأنّ موضوع ذلك في تحقيق معاينة المحتضر النبى “ص” والأئمّة عند وقت الاحتضار، ورؤيته لهم “ع” حقيقة [!!]، وقد تعرّض فيه للردّ على المفيد في تأويله الأخبار الواردة في ذلك حيث حملها على الانكشاف التّام…». [رياض العلماء: ج1، ص194].
#أمّا نسخ هذا الكتاب فالظّاهر إنّ النّسخة الّتي كانت معروفة ومتداولة في أيّام الدّولة الصّفويّة هي النّسخة الموقوفة بخطّ المجلسي باعتبارها من ريع حمّام نقش جهان في أصفهان والّذي تحدّثنا عن تفاصيله في مقالات سابقة، نعم نصّ محقّقو الطّبعة الجديدة لهذا الكتاب ـ والصّادرة من مكتبة العلّامة المجلسي ـ على إنّهم عثروا على نسخة لهذا الكتاب يعود تاريخها إلى عام: “874هـ”، كما نصّوا على وجود إضافات في معظم النّسخ الّتي اعتمدوا عليها تتعلّق بغير فضائل أهل البيت “ع”، وأفادوا إنّها خالية من الأسانيد ولم تذكر الكتب الّتي استقيت منها، بل وادّعوا إنّها لا تنسجم مع طريقة المصنّف نفسه في عموم تراثه، وعلى هذا الأساس احتملوا احتمالاً راجحاً أن لا تكون من أجزاء الكتاب؛ لمخالفتها لمضمونه الّذي يتحدّث عن الاحتضار، ولمخالفتها لطريقة المؤلّف في نقل الأحاديث أيضاً، بالإضافة إلى اشتمالها على أحاديث لا توافق آراء المؤلّف نفسه؛ لذا عدّوها من إضافات النّساخ فقاموا بحذفها رغم إقرارهم إنّ المجلسي كان قد نقل بعضها في بحاره على أساس إنّها من كتاب المحتضر، وقد تعجّبوا من قيام المجلسي بذلك!!
#لكنّ كان من المفترض بمحقّقي هذه الطّبعة أن يبادروا ـ وفقاً للأمانة العلميّة ـ إلى ادراج جميع هذه الإضافات الواردة في النّسخ في آخر الكتاب، وينوّهوا في نفس الوقت إلى وجهة نظرهم في عدم كونها من أصل الكتاب وشواهدهم ومؤيّداتهم أيضاً، لا أن يحذفوها من الأساس ويفوّتوا على غيرهم من الباحثين محاولة طرح وجهات نظر مختلفة؛ فإنّ هذه الطّريقة تبعث في النّفس أشياء كثيرة لا تخفى على ذي مسكة.
#وكيف كان؛ فإنّ عموم النّسخ الواصلة من هذا الكتاب مضطربة ومشوّشة، ومن هنا فلا نمتلك طريقاً متّصلاً ـ ولو ضعيف ـ للوثوق من صدورها من مصنّفها، بل نحتمل احتمالاً كبيراً إنّ بعض نصوصها ـ خصوصاً بعض روايات القسم الثّاني من الكتاب ـ إنّما هي إضافات على الموضوع الأصلي لها والّذي يتحدّث عن مناقشة المفيد في تأويلاته، لذا نستغرب بشدّة من جهالات بعض المراكز المذهبيّة المعاصرة حينما ادّعت جهاراً نهاراً بوجود طرق صحيحة ومعتبرة إلى كتب الشّيح حسن بن سليمان الحلّي!!
#وخلاصة القول: لا يمكن الاعتماد على نسخ هذا الكتاب الواصلة في سبيل إثبات حكم شرعي مهما تذرّعنا بمبرّرات أصوليّة؛ وذلك لعدم ثبوت اعتبار هذه النّسخ واتّصالها بمصنّفها الأصلي لو سلّمنا بوثاقته ووثاقة رواياته أيضاً، بالإضافة إلى جميع هذا فالكتاب مملوء بالخرافات والأساطير والموضوعات، ومن باب المثال نورد رواية واحدة من رواياته لتكون شاهداً ومثالاً على بقيّة الرّوايات الأخرى المشابهة لها؛ فقد جاء فيه نقلاً عن كتاب “الشّفاء والجلاء” بإسناده معاوية بن عمّار عن جعفر الصّادق “ع” القول:
#«…إنّ الله تبارك وتعالى لمّا أهبط آدم وحوّاء إلى الأرض وجمع بينهما، ولدت حوّاء بنتاً فسمّاها عناقاً، فكانت أوّل من بغى على وجه الأرض، فسلّط الله عليها ذئباً كالفيل، ونسراً كالحمار، فتقتلاها، ثمّ وُلد له أثر عناق: قابيل بن آدم، فلمّا أدرك قابيل ما يُدرك الرّجل: أظهر الله عزّ وجلّ جنّيّة من وُلد الجانّ يُقال لها: جُهانة في صورة الإنسيّة، فلمّا رآها قابيل ومقّها، فأوحى الله إلى آدم أن زوّج جهانة من قابيل، فزوّجها من قابيل، ثمّ وُلد لآدم هابيل، فلمّا أدرك هابيل ما يُدرك الرّجل: أهبط الله إلى آدم حوراء، واسمها تُرك الحوراء، فلمّا رآها هابيل ومقها، فأوحى الله إلى آدم أن زوّج تُركاً من هابيل، ففعل ذلك، فكانت تُرك الحوراء زوجة هابيل بن آدم، ثمّ أوحى الله عزّ وجلّ إلى آدم: سبق علمي أن لا أترك الأرض من عالم يُعرف به ديني وأن أُخرج ذلك من ذريّتك…إلخ» [بحار الأنوار: ج11، ص226؛ مستدرك الوسائل: ج14، ص362]. [يُتبع].
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...