حينما تكون القهوة حراما

29 سبتمبر 2016
1270

حينما تكون القهوة حراماً!!
#يحدّثنا الحرّ العاملي (1624ـ 1693م) صاحب الكتاب الحديثيّ الفقهيّ الشهير “وسائل الشيعة”، عن قصّة حدثت له مع الشاه سليمان الصفوي (1647ـ1694م) حينما زار العاملي بلاطه في أصفهان، وحصلت له حفاوة كبيرة من السلطنة الصفويّة آنذاك، كان حاصلها تسنّمه منصب قاضي القضاة في طوس مشهد الإيرانيّة. سأنقل لكم هذه القصّة التي خطّها بقلمه؛ والتي أعدّها كافية لإعطاء المتابع صورة عن أفق التفكير الفقهي في تلك الفترة الزمنيّة، والذي كانت الاحتياطات حاكمة فيه، وانتقل بعد ذلك للتعليق عليها:
#يقول صاحب الوسائل: “قد سألني الملك الأعظم أشرف ملوك العالم أيده الله [ويعني منه الشاه سليمان الصفوي] عن سبب عدم شربي القهوة والتتن؟ فأجبته إنّهما لا يوافقان مزاجي ولا يلائمان طبيعتي؛ كراهة للبحث والخوض في المسائل الشرعية التي ليست لها أدلة واضحة.
فقال: قد بلغني أنّك تستشكلهما، وتحتاط في تركهما؟
فقلت: نعم؛ الأمر كذلك، لكني لا أجزم بالتحريم ولا بالكراهة؛ لعدم دليل واضح أيضاً؛ إذ لم يكونا في زمن النبي ولا في زمن الأئمة “عليهم السلام”، فليس فيهما نصّ خاصّ، والعمومات [عند] علماؤنا في ذلك على قولين، واتّفقوا على رجحان الاحتياط، سواء كان واجباً أم مستحباً قد أتيته.
فقال: أو ليس الأصل إباحة؟
فقلت: هذه مسألة خلافية قد أجمعوا على رجحان التوقّف والاحتياط، وعدم الجزم بالإباحة والتحريم في مثله، فاستحسن الجواب واستصوب الاحتياط”.[الفوائد الطوسيّة، ص230].
#أقول: إن الذي ساهم في تبلور كثير من الاحتياطات التي ملأت الرسائل العمليّة للفقهاء الشيعة المعاصرين هو هذا الأفق الفقهي المسكون بالعوامل السايكلوجيّة، وإن أمثال هذه القصص هي التي حوّلت الاحتياط في الأحكام الشرعيّة إلى سيرة جاثمة على صدر المقلّدين البسطاء، حتّى آلت الأمور عند بعضهم أن يذيّلوا بعض فتاواهم بالاحتياط الوجوبي مع إنّها في قناعاتهم احتياطات استحبابيّة؛ ويبرّروا ذلك بكونه هروباً من تحمّل مسؤوليّة عمل العاملين، وكأن هناك #ساطوراً وضع على رؤوسهم يجبرهم على التصدّي للإفتاء مثلاً!! ولو قدّر للمتابع أن يقرأ الفائدة: (51) من كتاب الحرّ العاملي “الفوائد الطوسيّة”، والتي ساق فيها الأدلّة على تحريم شرب التُتن والقهوة لرأى العجب العجاب، وهو جزء من الضرائب الطبيعيّة للابتعاد عن عصر التشريع.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...