حكايات من سيرة الأصفهاني الماليّة

7 أكتوبر 2016
1184
ميثاق العسر

تدليلاً على ما نقلته في مقالي السابق حول سيرة السيّد أبو الحسن الأصفهاني الماليّة، والتي آراها أحد الأسرار المهمّة وراء انتشار وذيوع مرجعيّته “رحمه الله”، سأحاول أن أذكر مجموعة من القصص والشواهد التي نقلها أحد عناصر مجلس الاستفتاءات الفقهيّة في مكتبه، وهو ثقةٌ عينٌ، لا مجال للتشكيك في نقولاته وبياناته عند كبار الفقهاء والمراجع في […]


تدليلاً على ما نقلته في مقالي السابق حول سيرة السيّد أبو الحسن الأصفهاني الماليّة، والتي آراها أحد الأسرار المهمّة وراء انتشار وذيوع مرجعيّته “رحمه الله”، سأحاول أن أذكر مجموعة من القصص والشواهد التي نقلها أحد عناصر مجلس الاستفتاءات الفقهيّة في مكتبه، وهو ثقةٌ عينٌ، لا مجال للتشكيك في نقولاته وبياناته عند كبار الفقهاء والمراجع في حوزتي النجف وقم، بغض النظر عن قناعتي الشخصيّة في مناشىء أمثال هذه الحكايات التي ربّما أصف بعضها أحياناً بالأساطير، لكنّي سأذكرها وأذكر سندها ومصدرها أيضاً، ومن يريد التشكيك فيها فعليه أن يلتزم بلوازم تشكيكه، والتي أوّلها تكذيب ناقلها لا سمح الله.
روى الشيخ محمد رضا الطبسي (1899 ـ 1983م) في حوار له مع مجلّة الحوزة الناطقة بالّلغة الفارسيّة حكايتين عن أستاذه السيّد أبو الحسن الأصفهاني (رحمه الله)، سنقوم بترجمتها ترجمة حرفيّة تقريباً، وإضافة بعض الإيضاحات، وننتقل بعد ذلك إلى التعليق عليهما:
#الحكاية الأولى: «حاول السفير البريطاني في العراق أن يلتقي [بإستاذنا] المرحوم السيّد أبو الحسن الأصفهاني عدّة مرّات، لكن الأصفهاني رفض ذلك، وبرّر سبب رفضه قائلاً: “ليس لي علاقة بهؤلاء”، لكن جرّاء التماس الوسيط وهو الكليدار سادن العتبة العلويّة، وتوسّله بالمرجع الأصفهاني وافق له على ذلك، فعيّنوا ساعة محدّدة في الّليل، فرافق السفير كلّ من محافظ النجف وسادن العتبة العلويّة وموزّع رواتب طلّاب الحوزة الهنود، وكان السيّد الأصفهاني يعاني حينها من ضائقة ماليّة شديدة، وبعد حوارات بينهما قدّم السفير البريطاني حوالة ماليّة إلى الأصفهاني، فما كان على الأصفهاني إلا أن يخرج حوالة ماليّة أيضاً من تحت فراشه، فيضمّها إلى حوالة السفير البريطاني، ويقدّمها إليه قائلاً: “سمعت إن هناك فقراء كثيرين في بريطانيا، وأتمنّى عليك أن تضمّ حوالتك إلى حوالتنا، وتوزّعها عليها…”، فما كان على السفير إلا أن يخرج من الاجتماع بانكسار، ويقول لرفاقه: أردنا أن نشتري السيّد لكنّه اشترانا!!».
#الحكاية الثانية: «حينما كان السيّد أبو الحسن الأصفهاني تحت المراقبة في أحدى القصور الملكيّة على ضفاف دجلة في الكاظميّة، دخل عليه وليّ العهد عبد الإله في يوم من الأيام فرأى رفوف غرفته مملوءة برزم الدنانير، فخاطب الأصفهاني قائلاً: ما لديك من أموال لا يوجد في خزينة دولتنا بمقداره!!! فقال له الأصفهاني وهو غير آبه بكلامه: ما تراه ليس بشيء؛ فإنّنا نصرف ضعفه في اليوم الواحد!!!». مجلّة الحوزة الفارسيّة، العدد: (34)، ص: (70ـ71).
أقول: راوي الحكايتين أعلاه ثقةٌ عينٌ شهد بفضله وتقواه الكبار، كالأصفهاني والنائيني والعراقي وعبد الكريم الحائري وجواد الملكي التبريزي… وعموم المراجع المعاصرين أيضاً، وفيهما أوضح الدلالة على تلك المقولة المشهورة التي نقلناها عن الأصفهاني في مقال سابق، وهي: “أمنح الحقوق الشرعيّة لفريقين، فريق أمنحه الحقوق الشرعيّة لكي يُمسك يديّ، وفريق أمنحه الحقوق الشرعيّة لكي لا يعيق قدمي”، ولا أدري: على أيّ مبنى فقهيّ اعتمد الأصفهاني في منح الحقوق الشرعيّة إلى فقراء بريطانيا عن طريق سفيرها، فهل يقع ذلك ضمن عنوان المؤلّفة قلوبهم مثلاً، أم إن ذلك مّما يُحرز فيه رضا الإمام “ع” مثلاً؟!، ولا أدري أيضاً: لماذا لم يحرز نجله المقتول رضا الإمام “ع” في إعطاء قاتله مبلغ إفطاره وميزانيّة والده تفوق ميزانيّة العراق في تلك الفترة كما تنقل الحكاية؟!
يُشار إلى: إن الطبسي ناقل الحكايتين أعلاه هو نفسه الذي نقل القول بجواز التطبير عن السيّد ابو الحسن الأصفهاني في أثناء خروجه من كيشوانيّة مرقد العباس “ع” على ما نُسب إليه، مع إن موقف الأصفهاني ضدّ التطبير واصطفافه مع السيّد محسن الأمين أشهر من نارٍ على علم عند عموم مؤرّخي تلك المرحلة، وإذا كانت هاتان الحكايتان التي نقلهما كاذبتين، فحكاية التطبير كاذبة أيضاً، وإذا كانتا صادقتين، فهذه صادقة أيضاً، أمّا التبعيض في قبول أحدهما وإنكار الأخرى فترجيح لا مرجّح له سوى التشهّي والمزاج.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...