تفرّدات الطّوسي وخيبة الأمل المذهبيّة!!

11 يونيو 2018
1297
ميثاق العسر

#يذهب بعض المعاصرين ـ من المهتمّين بالشأن الرّجالي ـ إلى إنّ لشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” تفرّدات في عموم منظومة المعارف الدّينيّة، وهي الّتي ركزت واستقرّت في الواقع الفقهي والعقائدي والتّفسيري والرّجالي… الإثني عشري في المراحل الّتي تليه وأضحت عنواناً للمدرسة والمذهب كما هي صيغته المتداولة رغم إنّها لم تكن موجودة أو […]


#يذهب بعض المعاصرين ـ من المهتمّين بالشأن الرّجالي ـ إلى إنّ لشيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتوفّى سنة: “460هـ” تفرّدات في عموم منظومة المعارف الدّينيّة، وهي الّتي ركزت واستقرّت في الواقع الفقهي والعقائدي والتّفسيري والرّجالي… الإثني عشري في المراحل الّتي تليه وأضحت عنواناً للمدرسة والمذهب كما هي صيغته المتداولة رغم إنّها لم تكن موجودة أو إنّها غير مقبولة لدى من سبقه من العلماء والمحدّثين، ونصّ هذا المعاصر على إنّنا إذا أردنا أن نجمع هذه التّفرّدات في عموم المعارف فربّما تقع في ثلاثة أجزاء أو أربعة تحت عنوان: “خصائص مدرسة الشّيخ الطّوسي”!!
#ولكي لا نستغرق في العموميّات سنأخذ مثالاً فقهيّاً على ذلك وإترك عنك المناقشة في المثال كما هو دأب غير المحصّلين وإذهب صوب جوهر الفكرة: حينما نراجع تاريخ الفتوى المشهورة والرّاكزة في الفقه الإثني عشريّ منذ ألف سنة تقريباً وحتّى الآن والنّاصة على ضرورة غسل الإناء الّذي ولغ فيه الخنزير سبع مرّات نجدها تستند إلى ذيل رواية يتيم نقله الطّوسي في كتابه “تهذيب الأحكام” عن كتاب عليّ بن جعفر العريضي ـ “أخ الإمام موسى الكاظم “ع” ـ وربّما يكون مضمونها متأثّراً بالفقه الشّافعي، والظّريف في البين: إنّ كتاب عليّ بن جعفر كان بين يديّ عموم المحدّثين من قبله وقد رووا أصل هذه الرّواية أيضاً في مجاميعهم إلّا إنّها خالية من الذّيل الّذي ذكره الطّوسي لها والّذي يُعدّ الدّليل اليتيم لهذه الفتوى؛ وحينما نعود إلى عموم النّسخ الخّطيّة لكتاب عليّ بن جعفر نراها خالية من هذه الإضافة أيضاً؛ والغريب أيضاً: إنّ الطّوسي نصّ على أخذ هذه الرّواية من الكليني، مع إنّنا حينما نعود إلى جميع نسخ الكافي نجدها خالية من هذا الذّيل [الأخبار الدّخيلة: ج3، ص288]، والأكثر غرابة من هذا وذاك: إنّ نفس الطّوسي لم يفتِ على أساسها في أيّ كتاب من كتبه الفقهيّة، لكن: حينما جاء العلّامة الحلّي بعده وعثر على ذيل هذه الرّواية في كتاب التّهذيب أفتى بالوجوب على أساسه؛ باعتبار إنّ مبناه حجيّة الخبر التّعبديّة.
#وهكذا استمرّ الحال حتّى يومنا؛ لتُصبح فتوى مشهورة ومستحكمة استحكام الفولاذ في عموم الرّسائل العمليّة، ولا محيص لدى الفقهاء المعاصرين من ممارسة نحت الأدلّة بعد الوقوع لتعميقها؛ فهذا المرحوم الخوئي مثلاً يرى إنّ التّفريق في الغسل بين الكلب والخنزير لا معنى له، لكنّه مع هذا يضطرّ للدّفاع عن ذلك والتّنظير له بنفس الطّريقة المذهبيّة المعروفة والمرتكزة على مقولة نفّذ ولا تناقش ومقلّداً للفقيه الهمداني بالقول: «إنّ الوجوه الاستحسانيّة والاستبعادات العقليّة غير صالحة للركون عليها في الأحكام الشرعيّة التّعبديّة؛ لأنّه من المحتمل أن تكون للإناء الذي شرب منه الخنزير خصوصية لأجلها اهتم الشارع بشأنه وشدد الأمر فيه، بل الأمر كذلك واقعاً؛ لأنّ الإناء معدّ للأكل والشرب فيه…» [التّنقيح: ج3، ص56]، مع إنّنا إذا رجعنا إلى الحقيقة نجد إنّ هذه الرّواية لا أصل ولا فصل لها غير ما قرّره الطّوسي، فما هو الدّاعي أن نبرّر ونبدأ بنحت التّبريرات والأدلّة لمرحلة ما بعد الوقوع؟!
#وفي سياق الاهتمام الوافر الّذي يبديه السيّد السّيستاني إلى مباني المشهور وفتاويهم الفقهيّة لم يجد سماحته بُداً من متابعتهم في هذه الفتوى أيضاً رغم معروفيّته بالتّتبع الرّجالي ومعرفة النُسخ كما يُنقل عنه، ومن هنا بعث إليه السيّد أحمد المددي ـ وهو الوحيد من تلامذته المهتمّين بالشأن الرّجالي ـ رسالة يبدي فيها استغرابه من صدور هذه الفتوى منه، شارحاً له الأسباب بنفس الطّريقة الآنفة الّذكر، عازياً الأمر في حقيقته إلى اشتباه صدر من قلم الطّوسي في البين، وبالتّالي فإنّ الإفتاء على أساس هذا الاشتباه اشتباه أيضاً.
#ورغم إنّ اشتباهات الطّوسي في التّهذيب والاستبصار كثيرة كما أشار لذلك جملة من المحقّقين، بل قلّما يخلو حديث في التّهذيب من التّحريف والتّصحيف والزّيادة والنّقصان في متنه أو سنده كما هو نصّ المحدّث البحراني [الحدائق: ج4، ص209]، إلّا إنّ المفاجأة إنّ السيّد السّيستاني بدل أن يبادر إلى التّراجع عن هذه الفتوى والإطراء على تلميذه المددي لتنبيهه على ذلك قام بتسويد صفحات عدّة من أجل الدّفاع عن عصمة الطّوسي أو عن عصمة نفسه في واقع الحال؛ فطرح أربعة احتمالات فرضيّة للمسألة وبدأ التّرجيح بينها؛ وهكذا استمرّ به النّقض والإبرام ليرجّح احتمالاً هو في واقعه الإيمان بعصمة الطّوسي من الاشتباه ليقرّر قائلاً في أجابة تلميذه أخيراً: «وكيف كان فلا يمكن الالتزام باشتباه قلم الشّيخ [الطّوسي] “قده” إلّا مع وجود قرينة قطعيّة تدلّ عليه وهي مفقودة في المقام… ومعه يكون الحكم بلزوم الغسل سبع مرّات في الإناء الّذي شرب من الخنزير كما هو المختار وفاقاً للمشهور بين المتأخّرين هو الصّحيح، والله العالم». [نقل عنه ذلك ولده في بعض كتاباته].
#وأخيراً وليس آخراً: إنّ غرضنا من الإشارة إلى هذا الأمر بيان إنّ ادّعاء وضوح مرتكزات المذهب الإثني عشريّ بصيغته المتداولة قبل مرحلة الطّوسي أمر يعوزه الوضوح والدّليل، وإنّ الدّفاع عن شيخ الطّائفة الطّوسي وبقيّة أساتذته ومجايليه وزملائه وافتراض عصمتهم والتّرقيع لاشتباهاتهم خطأ لا يختصّ بصغير أو كبير، أمّا تفرّدات الصّدوق الرّوائيّة في خصوص الإمامة والمهدويّة الإلهيّة الإثني عشريّة والّتي أصبحت حقّاً مطلقاً فيما بعد وحتّى اليوم فوا ويلاه، فتفطّن وإفهم مرامي نقدنا ولا تكترث بالجاهلين، والله من وراء القصد.
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...