تأمّلات في وثاقة المرحوم الصّدوق!!

11 يونيو 2018
1022
ميثاق العسر

#لم يكن الصّدوق صدوقاً في نقولاته للأسف الشّديد؛ بل كان يقطّع النّصوص ويحذف منها ما لا ينسجم مع توجّهاته الآيدلوجيّة وقناعاته المذهبيّة ويضيف لها أيضاً، لا أقول ذلك رجماً بالغيب، بل هو مطلب تنبّه له بعض المحدّثين والرّجاليّين من متأخّري المتأخّرين والمعاصرين، وإن استقتل بعض الفقهاء المعاصرين جاهداً لتأويله وتبريره. سأضع بين يدي القارئ اليوم […]


#لم يكن الصّدوق صدوقاً في نقولاته للأسف الشّديد؛ بل كان يقطّع النّصوص ويحذف منها ما لا ينسجم مع توجّهاته الآيدلوجيّة وقناعاته المذهبيّة ويضيف لها أيضاً، لا أقول ذلك رجماً بالغيب، بل هو مطلب تنبّه له بعض المحدّثين والرّجاليّين من متأخّري المتأخّرين والمعاصرين، وإن استقتل بعض الفقهاء المعاصرين جاهداً لتأويله وتبريره. سأضع بين يدي القارئ اليوم شاهداً واحداً للحذف، وسأردف ذلك في مقال لاحق بشاهدٍ واحدٍ للإضافة، وأأمل أن أوفّق لعرض شواهد أخرى من هذا وذاك في القادم من الأيّام، لكنّي سأعطيه في نفس الوقت مفتاحاً رئيسيّاً للحصول على شواهد أخرى.
#روى الكليني في كتابه الكافي بإسناده الصّحيح عندهم عن عليّ بن مهزيار إنّه قال: كتبت إلى الجواد “ع: «امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان، ثمّ استحاضت، فصلّت وصامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين، هل يجوز صومها وصلاتها أم لا؟ فكتب “ع”: تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؛ لأنّ رسول الله كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك». [الكافي: ج4، ص136].
#وحينما جاء الصّدوق ونقل نفس هذه الرّواية وبإسناد ينتهي إلى نفس الإسناد الّذي أوردها من خلاله الكليني المتقدّم عليه طبقةً حذف “فاطمة” من الرّواية وأورد النّص في علله وفقيهه بالنّحو التّالي: «لأنّ رسول الله كان يأمر المؤمنات من نسائه بذلك» [علل الشّرائع: ج1، ص293؛ الفقيه: 2، ص145]، كما إنّ شيخ الطّائفة الإثني عشريّة الطّوسي المتأخّر عليه طبقةً أورد نفس هذه الرّواية وبأسناد ينتهي إلى نفس الأسناد الّذي ذكره الصّدوق في العلل لها ـ وكلاهما اعتمدا على الكافي ـ لكن مع زيادة فاطمة أيضاً كما في الكافي. [التّهذيب، الخرسان: ج4، ص310؛ التّهذيب، الغفاري: ج4، ص386].
#وهذا الأمر أوجب حيرة كبيرة لدى بعض المراجع والأساتذة المعاصرين؛ فاضطروا إلى استحداث أصالات وشهادات للتّرجيح بين نقليّ الكافي والتّهذيب من جهة والفقيه والعلل من جهة أخرى، من قبيل أصالة عدم الزّيادة والشّهادة السلبيّة، مع إنّنا لا نحتاج إلى مثل هذه الأصالات والشّهادات الّتي لم ينزل الله بها من سلطان لعدم وجود الشّك أصلاً؛ فإنّ هذا الشّاهد وغيره أيضاً يكشف بوضوح لا مرية فيه: إنّ الصّدوق قام بحذف هذا المفردة انسياقاً مع قناعاته المذهبيّة المسبقة؛ إمّا لأنّه رأى بأنّ النّصوص الأخرى النّاصّة على إنّها “ع” لم تر حمرة قطّ تملي عليه ذلك، أو إنّه رأى إنّ في الرّواية منقصة لا يمكن الالتزام بها لفاطمة “ع”.
#وفي الحقيقة: لا تهمّني هذه التّبريرات، ولا يهمّني أيضاً جعل فاطمة هنا غير فاطمة المعروفة، كما لا يعنيني الاضطراب في مضامين الرّواية حول قضاء الصّوم وعدم قضاء الصّلاة، جميع هذه الأمور لا تهمّني ولا تعنيني؛ باعتبارها ناشئة من استحكام الطّوق الكلاميّ الشّديد جدّاً على أصحابها، وإنّما الّذي اكترث به ويُقلقني كثيراً في نفس الوقت: ضرورة الحفاظ على الأمانة العلميّة بحرفيّة تامّة وعدم انبغاء بتر النّصوص وأدلجتها، وهذه هي وظيفة المحدّث الّذي أخذ على عاتقه حفظ الدّراس من الاندراس دون تبديل أو تحوير.
#وأخيراً وليس آخراً: إنّ الّلافت في الأمر والمؤسف في نفس الوقت وهذا هو المفتاح الّذي نضعه بين يديّ المتابع الكريم للحصول على شواهد أخرى: إنّ المرحوم حسن الخرسان رغم زحماته الوافرة في تحقيق مخطوطات هذا التّراث إلّا إنّه ارتكب أخطاءً كبيرة وفادحة أسقطت جملة من تحقيقاته عن الاعتبار؛ فرغم إنّ المرحوم الصّدوق قام بحذف وتقطيع هذه النّصوص بشكل عمدي إلّا إنّ الخرسان قام بعلاج هذا الحذف والتّقطيع فصحّحه من خلال إضافة ما في نسخ الكافي والتّهذيب إليها، وهو يحسب إنّه يحسن صنعاً، وقد سبّب هذا الأمر لكثير من المعاصرين ممّن لا خبرة لهم في النسخ مشاكل كثيرة يطول شرحها، ولهذا يُحجم بعض المحقّقين من الرّجالّيين المعاصرين عن الاعتماد على طبعات النّجف لتراث الصّدوق والطّوسي، ويرون فيها مصائب كثيرة من هذا القبيل، والحقّ معهم في ذلك كما سنوثّق سقطات بعض المعاصرين في ذلك قريباً إن شاء الله.
#وقد تسألني وأنا في هذه العجالة الّتي تفرضها عليّ طبيعة النّشر: هل هذا يعني إنّك تشكّك في وثاقة الصّدوق الّذي ولد بدعاء الحجّة “ع”؟!
#والجواب: نعم؛ أوردت لك هذه الإثارة لكي تعرف السّر الّذي يكمن وراء إكثاري من المقالات النّقديّة لتراث المرحوم الصّدوق في المرحلة السّابقة وإرشادك إلى عشرات الهنات في رواياته ومرويّاته، وإنّ قصّة ولادته بدعاء الحجّة “ع” مجرّد حكاية لا أصل ولا فصل لها كما أثبتنا ذلك في سالف المقالات، ومن الغريب اعتماد المرحوم الخوئي عليها لتوثيقه واتّهام بعض مشايخ المحدّث البحراني الّذي توقّف في وثاقته باعوجاج السليقة، فإذا عرفت ذلك إعلم: إنّي من الذّاهبين إلى عدم ثبوت وثاقة الصّدوق في خصوص تفرّداته؛ لأنّي لا اطمئن ـ بل أجزم أحياناً ـ بتصرّفه فيها انطلاقاً من رؤيته المذهبيّة الخاصّة، ولعلّ هذا هو سبب خلو كلمات المتقدّمين من التّوثيق الخاصّ له، فتأمّل واغتنم؛ فهذا باب ينفتح لك منه ألف باب، والله من وراء القصد. [يُتبع].
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر
#إلماع: راجع التّعليق الأوّل لرؤية الوثائق.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...