تأمّلات في مرويّات أبي الصّلت الهروي!!

29 يناير 2017
908
ميثاق العسر

#شهدت أيّام خلافة المأمون العبّاسي سجالات شديدة وحامية في موضوعات دينيّة مختلفة إثر الانفتاح على الثّقافات الأخرى ورواج ترجماتها من الفارسيّة والهنديّة والسّريانيّة واليونانيّة إلى العربيّة وبرعاية ملكيّة، وهذا الأمر أسهم في تولّد فرق ومذاهب إسلاميّة سُنّيّة وشيّعيّة عديدة، وفي سياق هذه السجالات الكلاميّة وتداول أبحاث العدل الإلهي سأل أبو الصّلت الهروي ذات يوم من […]


#شهدت أيّام خلافة المأمون العبّاسي سجالات شديدة وحامية في موضوعات دينيّة مختلفة إثر الانفتاح على الثّقافات الأخرى ورواج ترجماتها من الفارسيّة والهنديّة والسّريانيّة واليونانيّة إلى العربيّة وبرعاية ملكيّة، وهذا الأمر أسهم في تولّد فرق ومذاهب إسلاميّة سُنّيّة وشيّعيّة عديدة، وفي سياق هذه السجالات الكلاميّة وتداول أبحاث العدل الإلهي سأل أبو الصّلت الهروي ذات يوم من الإمام الرّضا “ع” هذا السؤال: ما تقول في حديث روي عن جدّك الصّادق “ع” [كامل الزّيارات:ص96؛78] يقول فيه: إنّ القائم إذا خرج قتل ذراري قتلة الحسين بجريرة فعال آبائهم؟! فأجابه الإمام: هو كذلك!!
#لكنّ أبا الصّلت وفي سياق تكوينه السُنّي لم يكتف بهذه الإجابة فطرح إشكالاً مُقلقاً آخر وقال للإمام: فكيف يمكن لنا أن نوفّق بين هذا الفعل وبين قوله تعالى: “ولا تزر وازرة وزرة أخرى”؟! أجابه الرّضا “ع” كما في الرواية أيضاً: لقد صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين “ع” يرضون بفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أن رجلاً قُتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الرّاضي عند الله شريك في القتل، وإنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم… . [علل الشّرائع: ج1، ص229؛ عيون أخبار الرّضا: ج1، ص273].
#وقبل أن ننتقل إلى مشهد آخر ينقله نفس هذا الّراوي من حقّك أن تسأل وتقول: هل تجوّز شريعة النبيّ محمد “ص” الّتي بعث نبيّها لأجل تتميم الأخلاق أن تقتل إنساناً لمجرّد رضاه بفعل القتلة بغضّ النّظر عن طبيعة الجّزاء الأخروي الّذي سيلاقيه؟!
#وذات يوم سأل أبو الصّلت الهروي الإمام الرّضا “ع” سؤالاً آخر وقال: لأيّ علّة أغرق الله تعالى الدّنيا كلّها في زمن نوح “ع” وفيهم الأطفال ومن لا ذنب له؟! فأجابه الرضّا “ع”: ما كان فيهم أطفال يا أبا الصّلت؛ لأنّ الله تعالى أعقم أصلاب قوم نوح وأرحام نسائهم أربعين عاماً؛ فانقطع إثر ذلك نسلهم فغرقوا ولا طفل فيهم، وما كان الله تعالى ليهلك بعذابه من لا ذنب له، وأمّا الباقون من قوم نوح فأغرقوا لتكذيبهم لنبيّ الله نوح “ع”، وسائرهم أغرقوا لرضاهم بتكذيب المكذّبين، ومن غاب عن أمر فرضي به كان كمن شهده وأتاه. [التّوحيد: ص392؛ علل الشّرائع: ج1، ص30؛ عيون أخبار الرّضا: ج2، ص75].
#وقبل أن نبدأ بالتّعليق على هذين المشهدين الروائيّين نجد من المناسب التّذكير بما قرّره المرحوم الفقيه المنتظري في التّعليق عليهما حيث قال: «ولا يخفى أنّ إنكار المُنكر بالقلب بعد العلم به وإن كان من لوازم الإيمان قهراً، ولكن المؤاخذة على مجرد الرضا القلبي بالمُنكر ربّما تنافي ما دلّ على أنّ العبد إذا همّ بالسيئة لم تكتب عليه، وإذا لم يؤاخذ بنية فعل نفسه فكيف يؤاخذ بالرضا بفعل غيره؟! فتأمّل». [دراسات في ولاية الفقيه: ج2، ص237].
#أقول: ما أريد قوله من خلال استعراض هاتين الرّواتين الصّحيحتين حسب مقاييسهم هو: التشكيك في صدور أمثال هذه النّصوص من بيت عُرف أهله بالرحمة والرأفة والسماحة والتّعالي على الجراح في سبيل المبادئ الحقّة؛ إذ إنّي لا أؤمن بأنّ المهدي “ع” الّذي وعد الله البشريّة به لبسط العدل وقطع دابر الظلم سيقتل الأطفال والأبرياء بمجرّد كونهم راضين قلباً بفعل آبائهم الّذين قتلوا الحسين “ع” قبل مئات السّنين أو آلافها مع هذا البون الشّاسع والمسافات الطّويلة بين تلك الوقائع وظروفها وما تفرضه التربيات المذهبيّة من أمور لا يمكن التّفكير يوماً في دغدغتها، واعتقد إن المهدي ع سيجسّد الأخلاق العليا في التّعامل مع الأحداث بعيداً عن الدّمويّة التي تسمح بذبح أطفال الآخر واستئصالهم كما هي ثقافتنا الشّيعيّة شعراً ومنبراً وروايةً أيضاً.
#ومن هنا: فلا غرابة إذا توقّفنا في قبول بعض الرّوايات حتّى وإن كانت صحيحة السند على مباني المشهور؛ فمثل هذا الأمر ليس انتقائيّة أو تبعيضاً كما قد يحلو تسميته، بل ينطلق من رؤية عامّة في التّعامل مع النّصوص الروائيّة لا تنظر إلى رواية الرّاوي بشكل منفصل عن رواياته الأخرى، بل تلحظها في داخل إطار وسياق عام؛ كما إنّ المقياس في قبول الرواية وردّها عندنا ليس هو القوّة والضّعف السّندي في جميع الأحوال، بل هو مقدار ما تتمكّن فيه الرّواية من الانسجام والتّفاعل مع المحكمات القرآنيّة والنبويّة والولويّة بل ومع معطيات العقل الأخلاقي العملي أيضاً؛ خصوصاً وأنا من الذّاهبين إلى إنّ الشرائع السماويّة هدفها الأساس هو الحفاظ على المبادئ الأخلاقيّة من الاندراس والضّياع، خلافاً للرّائج والسّائد في المنهج الفقهي المتداول.
#وأخيراً: أدعو الباحثين الكرام إلى قراءة المرويّات الّتي تفرّد أبو الصّلت الهروي بروايتها عن الإمام الرّضا “ع” بمعزل عن القبليّات الكلاميّة والمذهبيّة، ليس لنكارة بعضها فحسب، بل لأجل دراسة الظّروف الموضوعيّة الّتي ولّدتها ونشأت فيها؛ خصوصاً وإن الطّبيعة السايكلوجيّة لشخصيّة أبي الصّلت قد حيّرت كثيراً من رجاليّي السُنة؛ فكيف أصبح وجيهاً عند بني العبّاس؟! وكيف تقرّب إلى أهل السُنّة بردّ الجهميّة؟! وكيف صار قريباً من الإمام الرّضا “ع”وروى عنه، وكيف تقرّب من أبن معين السُنّي المتشدّد فوثّقه؟! وكيف وصفه شيخ الطّائفة الطّوسي بكونه سنّيّاً مع إنّ رجاليّي السُنّة يرمونه بالرّفض والتّشيّع؟! وما هي المبرّرات الّتي يمكن تفسير موقف الطّوسي بها؟! ولماذا اعترض عليه الرجاليّون الشّيعة؟! أسئلة عديدة تحتاج إلى تفحّص موضوعي بعيداً عن المذهبيّة المقيتة.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...