بين الشعائر الحقيقيّة والشعائر الدخيلة!!

4 نوفمبر 2016
1045
ميثاق العسر

من الظواهر الراكزة والمخيفة بين أغلب فقهاء الشيعة المعاصرين وبتبعهم سيرة مقلّديهم أيضاً هي: إن أيّ ممارسة مستحدثة إذا تحوّلت إلى علامة وشعيرة من شعائر المذهب فيجب الحفاظ عليها والتمسّك بها والاستقتال في سبيلها حتّى وإن كان خاطئة في إشعارها من الأساس بل كانت بدعة أصلاً!! وأمثلة ذلك كثيرة ومنها: موضوع الشهادة الثالثة؛ حيث يذهب […]


من الظواهر الراكزة والمخيفة بين أغلب فقهاء الشيعة المعاصرين وبتبعهم سيرة مقلّديهم أيضاً هي: إن أيّ ممارسة مستحدثة إذا تحوّلت إلى علامة وشعيرة من شعائر المذهب فيجب الحفاظ عليها والتمسّك بها والاستقتال في سبيلها حتّى وإن كان خاطئة في إشعارها من الأساس بل كانت بدعة أصلاً!! وأمثلة ذلك كثيرة ومنها: موضوع الشهادة الثالثة؛ حيث يذهب فقهاء الشيعة بالإجماع إلى إن الآذان والإقامة الّلذان تواتر نقلهما عن الرسول والأئمّة “ع” خاليان من الشهادة الثالثة، بل ذهب شيخهم الصدوق “918ـ992م” إلى إنّها من إضافات الغلاة لعنهم الله على حدّ وصفه، ومع هذا كلّه نجدهم اليوم جميعاً يعتبرونها من المستحبّات المؤكّدة التي لا يجرؤ فقيه #أخو أخيته” أن يفتي بكراهتها فضلاً عن حرمتها؛ ويعلّلون ذلك بكونها أصبحت شعيرة من شعائر المذهب التي لا يمكن التنازل عنها بحال من الأحوال، وما يترتّب من مفاسد على إنكارها أفسد بكثير من المفاسد الجزئيّة البسيطة التي يحاول بعضهم أن يصوّرها!!
#وفي عقيدتي الراسخة إن هذه القاعدة السيّالة لا يمكن اختزالها بمفردة هنا أو مفردة هناك، بل يمكن تسريتها إلى بعض الممارسات المذهبيّة وكثير من الطقوس العاشورائيّة في واقعنا المعاصر؛ فهذه الأخيرة مثلاً كانت في بداية أمرها من هذا القبيل أيضاً؛ لكنّها جرّاء الاستمرار فيها وتقادم الأيّام عليها استحكمت وتسمّرت داخل سلوك #الحشد الشيعي؛ فأصبحت جزءاً لا يتجزّأ من عقائديّات هذا الحشد؛ وحينما حاول أحدهم من هنا أو هناك أن يشكّك فيها بغض النظر عن دواعيه صُدم النّاس من ذلك فبدأت الاستفتاءات تترى على فقهاء الشيعة لتسأل عن شرعيّة مثل هذه الأعمال والممارسات، وفي هذه الحالة اضطر الفقهاء إلى نحت أدلّة صناعيّة اجتهاديّة لتبرير هذه الممارسات ووضعها تحت عمومات الأدلّة الحاثّة على العزاء أو الأصول المبيحة لكلّ عمل ما لم يستلزم الضرر!!
#وهكذا خلدت هذه الاستفتاءات ـ بعد حذفها من سياقاتها الذي ولّدتها على طريقة الفقهاء المذمومة في التعامل مع الروايات ـ لتكون شعاراً للمدافعين عن شعائر المذهب؛ فغرّر بها بعض الملالي والوعّاظ والمراجع ببسطاء الشيعة ومساكينهم!! ولو رجعتم لعموم استفتاءات التطبير وباقي الطقوس العاشوريّة التي تلت أواسط الربع الأوّل من القرن المنصرم وحتّى الساعة لاتّضحت وتجلّت لكم الحقيقة بعد الالتفات إلى التحليل أعلاه، #ومن هنا فلا قيمة لذلك الاستفتاء الشهير المنقول عن شيخ الأصوليّين المعاصرين الميرزا محمد حسين النائيني “1856ـ 1936م” الذي جوّز فيه التطبير ما لم نحفظ له ظروفه التي ولّدته وبرّرته، ومع التغيّر الحتمي والجزمي لظروفه ومبرّراته وتجاوز الزمان له وتكشّف خلفيّاته فلا يمكن التمسّك بإطلاقه، وتغرير البسطاء على المنابر من خلاله، والله الهادي إلى سبيل الصواب.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...