بين السيستاني الجدّ والسيستاني الحفيد (2)

24 مايو 2016
888
ميثاق العسر

كان السيّد السيستاني “الجدّ” شهماً، مقداماً، جريئاً، شجاعاً، واضحاً، شفّافاً، كما ينقل معاصروه؛ غير آبهٍ بالتوازنات الحوزويّة المصطنعة، لا يقف على مسافة واحدة من جميع الأطياف المتناقضة؛ فإذا رأى في موقف حراماً يصرّح بحرمته ولو كلّفه أغلى الأثمان، لا يفكّر في مستقبلٍ مرجعيّ ولا زعامة، بل ينطلق في ذلك من موقف دينيّ ورثه عن أجداده […]


كان السيّد السيستاني “الجدّ” شهماً، مقداماً، جريئاً، شجاعاً، واضحاً، شفّافاً، كما ينقل معاصروه؛ غير آبهٍ بالتوازنات الحوزويّة المصطنعة، لا يقف على مسافة واحدة من جميع الأطياف المتناقضة؛ فإذا رأى في موقف حراماً يصرّح بحرمته ولو كلّفه أغلى الأثمان، لا يفكّر في مستقبلٍ مرجعيّ ولا زعامة، بل ينطلق في ذلك من موقف دينيّ ورثه عن أجداده الطاهرين، مهما اختلفنا معه في التشخيص؛ وهذه سمة القائد والزعيم والمتصدّي.
وفي الحلقة السابقة طرحنا نموذجاً واحداً من صلابته وحدّته وشدّته وقاطعيّته التي وصلت إلى حدّ الافراط، وسنطرح في هذه الحلقة نموذجاً آخر يعزّز هذه الصلابة ويكشفها بوضوح؛ فقد حدّثنا الشيخ الريشهري صاحب كتاب ميزان الحكمة، قال حدّثنا السيّد جعفر سيدان [التفكيكي المتصلّب وزوج رضيعة السيستاني الحفيد]، قال حدّثنا السيّد حسن دُرافشان [ابن أخ السيستاني الجدّ]، قال: «كنت في بيت المرحوم السيّد علي السيستاني [الجدّ] يوماً ما، إذ دخل إلى غرفته معتمد الدولة بجزمته، وكان السيستاني [الجدّ] مشغولاً بالمطالعة، فرفع رأسه وخاطبه: أ لا تستحي أن تطأ فراش النبوّة بجزمتك؟! خرج معتمد الدولة من الغرفة؛ خلع جزمته ورجع، ليشهر سلاحه بوجهه قائلاً: جئت اليوم بحكم قتلك، إمّا أن تكفّ لسانك عن الحديث وإمّا أن أقتلك!!! فما كان على السيستاني [الجدّ] إلا أن فتح صدره وقال له: أقتلني… هيّا أقتلني!! فبكى معتمد الدولة، وقال: لستُ ابن حرام لأفعل ذلك، وخرج… وبعد خروج معتمد الدولة، دخل إلى غرفته ولده السيّد محمد باقر السيستاني [والد السيستاني المعاصر]، واعترض عليه: لماذا لم تتقِّ منهم [يا والدي]؟! فدار حديث فيما بينهم، وفي الأخير قال له [يا ولدي]:… لقد رأيت في المنام أمّي فاطمة الزهراء (ع) وكأنها في خرابات الشامّ، فقالت لي: “[أبني علي] تكلّم ولا تخف، أنت في عنايتنا وحفظنا”، فمن أيّ شيء [أخاف] وأتّقي [يا ولدي]؟!». [ترجمة لما جاء في كتاب: خاطرات آموزنده، محمد محمدي الري شهري: ص361].
أمّا اليوم فنشهد موقفاً مختلفاً تماماً من السيستاني “الحفيد”؛ فهو يختلف مع جدّه تمام الاختلاف، ويتّفق مع والده في ضرورة ممارسة التقيّة بمختلف صورها مع جميع الأزمات الخانقة التي مرّ ويمرّ بها العراق والتشيّع عموماً، ورغم صعوبة المواقف وخطورتها وضرورة حذر وحيطة رجال الدين فيها، إلا إنّ العلامة الفارقة التي تميّز مواقف السيستاني “الحفيد” ومرجعيّته هي في وقوفها في طرف النقيض من موقف المرحوم جدّه.
ولا أدري هل: إن السيّدة الزهراء (ع) التي حفّزت ولدها السيستاني “الجدّ” على المواجهة وعدم التردّد في اتّخاذ المواقف كما تنقل الحكاية على فرض صحّتها، حفّزت حفيدها المعاصر على ضرورة الوقوف على مسافة واحدة من جميع المكوّنات السياسيّة والمذهبيّة المتناقضة؟! ماذا لو كان السيستاني “الجدّ” حاضراً في زماننا، فهل سيسكت ويرفض استقبال السياسيّين، أم سيألّب الرأي العامّ ضدّهم، ويحرق الأخضر واليابس لتقريعهم؟!، وهل إن اصطفاف “الجدّ” مع الاستبداد مع رفض أغلب أقرانه وزملائه كان يصبّ في صالح الأمّة، أم إن اصطفاف “الحفيد” مع الديموقراطيّة على الطريقة العراقيّة الحديثة مع رفض كثير من أقرانه وزملائه هو الذي ينفع الأمّة؟! تساؤلات تجول في خاطر كثير من أبناء الطائفة الشيعيّة، دون أن تجد إجابة حاسمة لها، على أن أشير إلى نقطة جديرة بالاهتمام: ليس لديّ أدنى شكّ في كون مواقف السيستاني الجدّ والحفيد تنطلق من مسوّغات شرعيّة أملتها عليهم قراءاتهم للنصوص والظروف الاجتماعيّة والسياسيّة المحيطة بهم، وتدخّلت عوامل سايكلوجيّة في تكوينها وافتراقها؛ لذا وجب التنويه؛ كي نقطع الطريق أمام من يريد أن يصطاد بالماء العكر.
ملاحظة هامّة جدّاً: لا يمكن تفسير هذا التغاير في المواقف بين السيستاني الجدّ والسيستاني الحفيد باختلاف الزمان والمكان والظروف؛ وذلك: لأنّ والد السيّد السيستاني المعاصر كان حاضراً مع أبيه في نفس الظروف، ومع هذا طلب من والده ممارسة التقيّة، واختار والده المواجهة، كلّ هذا يدلّل على إن هناك منهجين ومشربين في التعامل مع هذه المواقف السياسيّة والدينيّة.

ميثاق العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...