بغداد البويهيّة وزيارة الأربعين!!

15 نوفمبر 2017
1245
ميثاق العسر

#قبل هروب شيخ الطّائفة الإماميّة الإثني عشريّة المرحوم الطّوسي إلى النّجف بخمس سنوات، أي في صفر من عام: “443هـ” تحديداً: ينصّ المؤرّخون على وقوع حرب بين السُنّة والشّيعة في بغداد، قُتل إثرها «من الفريقين خلق كثير؛ وذلك أنّ الرّوافض ـ والتّعبير لابن كثير ـ نصبوا أبراجاً وكتبوا عليها بالذّهب: “محمد وعليّ خير البشر، فمن رضي […]


#قبل هروب شيخ الطّائفة الإماميّة الإثني عشريّة المرحوم الطّوسي إلى النّجف بخمس سنوات، أي في صفر من عام: “443هـ” تحديداً: ينصّ المؤرّخون على وقوع حرب بين السُنّة والشّيعة في بغداد، قُتل إثرها «من الفريقين خلق كثير؛ وذلك أنّ الرّوافض ـ والتّعبير لابن كثير ـ نصبوا أبراجاً وكتبوا عليها بالذّهب: “محمد وعليّ خير البشر، فمن رضي فقد شكر، ومن أبى فقد كفر”. فأنكرت السُنّة اقتران عليّ مع محمد “ص” في هذا، فنشبت الحرب بينهم واستمرّ القتال بينهم إلى ربيع الأوّل، فقُتل رجلٌ هاشميّ فدُفن عند الإمام أحمد، ورجع السُنّة من دفنه فنهبوا مشهد موسى بن جعفر [الكاظم “ع”]…، وأحرق ضريح موسى ومحمد الجواد [ع]، وقبور ملوك بنى بويه، ومن هناك من الوزراء، واحترق قبر جعفر بن المنصور، ومحمد الأمين، وأمّه زبيدة، وقبور كثيرة جدّاً، وانتشرت الفتنة، وتجاوزت الحدّ، وقد قابلهم أولئك أيضاً بمفاسد كثيرة، وحرقوا محالّ كبيرة، وبعثروا قبوراً قديمة، وأحرقوا من فيها من الصّالحين، حتّى همّوا بقبر الإمام أحمد فمنعهم النقيب، وخاف من غائلة ذلك، وتسلّط على الرافضة عيّار يقال له: القطيعي، تتبّع رؤوسهم وكبارهم فقتلهم جهاراً وغيلة، وعظمت المحنة بسببه جدّاً، ولم يقدر عليه أحد، وكان في غاية الشّجاعة والبأس والمكر، ولمّا بلغ ذلك دُبيس بن عليّ بن مزيد ـ وكان رافضيّاً ـ قطع خطبة الخليفة القائم بأمر الله، ثم روسل فأعادها» [البداية والنّهاية: ج13، ص117].
#أقول: لا يمكن للباحث المحايد الّذي يُريد أن يقرأ ويحلّل المفردات العقائديّة والطّقوسيّة الشّيعيّة الإثني عشريّة أن يتجاوز السّياق التّاريخي البويهي الّذي ساهم في تعميقها وتركيز افراطيّتها ونحت جملة من النّصوص والأدلّة في سبيلها؛ فهل يُكتب التّوفيق للباحث الّذي يقرأ فقه ما يُصطلح عليه بالشّعائر الحسينيّة في زماننا مثلاً وهو يغفل حالة الانفعال والاستقطاب المذهبيّ الّذي حصل ولا زال بين الفقهاء بعد الرّبع الأوّل من القرن المنصرم في حوزة النّجف الأشرف وكيف أخذ كلّ فريق ينحت الأدلّة تلو الأدلّة في سبيل تعزيز قناعته وخياراته ببركة أدوات الصّناعة الفقهيّة المعروفة؟! وهل سيكتب النّجاح للباحث الّذي يروم قراءة وتحليل المفردات العقائديّة الافراطيّة في الواقع الشّيعي الإثني عشري المعاصر وهو يتجاوز الحرب الضّروس الّتي قادها المرحوم الميرزا جواد التّبريزي وشيخنا الوحيد الخراساني ضدّ المرحوم محمد حسين فضل الله في تسعينات القرن المنصرم وكيف كانت هذه الحرب مصدر إلهام لكلّ فريق في صياغة وحياكة أدلّة جديدة لمفرداته وقناعاته؟!
#أجل؛ لا شكّ إنّ كلّ جهد بحثيّ يتجاوز هذا السّياق المُلهم لا يمكن له أن يوفّق في فهم حقيقة العناوين الثّانويّة المذهبيّة الّتي تقف خلف توظيف هذه المفردة أو حجب تلك؛ إذ ليس بالضّرورة أن يقف خلف كلّ مفردة عقائديّة معاصرة دليل واقعيّ كامل المواصفات والحقّانيّة، فربّما تكون ولادة هذه المفردة سببها الحفاظ على المبادئ العليا الّتي يرى المعنيّون ضرورة الحفاظ عليها بشتّى الطّرق والوسائل ومنها الصّمت وكم له نظير في زماننا، وعليه: فمن المحتمل جدّاً أن تكون مفردة “زيارة الأربعين” الّتي ولدت في تلك الأيّام هي من هذا القبيل؛ خصوصاً بعد أن أوضحنا بما لا مزيد عليه خلوّ جميع المصادر الشّيعيّة من أيّ عين أو أثر لها قبل ذلك؛ فتأمّل إن كنت من أهله، والله من وراء القصد.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...