الناس في هذا الزمان على دين مراجعهم

10 مايو 2016
1172
ميثاق العسر

«وأمّا سيرة هذا الزمان وقَبِيلِهِ فظاهرٌ: أنّ عموم الناس يتّبعون مَن يقلّدونه؛ فإذا اتّفقتْ فتاوى المقلَّدين [بالفتح] على شيءٍ انعقدتْ سيرةَ المقلِّدين [بالكسر]…»… بهذه الكلمات ينبهنا الشيخ الشاعر محمد رضا الأصفهاني النجفي صاحب الكتاب الأصوليّ المعروف: (وقاية الأذهان) (1870ـ 1943هـ) إلى حقيقةٍ اتمنّى على الباحثين والقرّاء أخذها بعين الاعتبار، إذا ما أرادوا نقد الظواهر الإفراطيّة […]


«وأمّا سيرة هذا الزمان وقَبِيلِهِ فظاهرٌ: أنّ عموم الناس يتّبعون مَن يقلّدونه؛ فإذا اتّفقتْ فتاوى المقلَّدين [بالفتح] على شيءٍ انعقدتْ سيرةَ المقلِّدين [بالكسر]…»…
بهذه الكلمات ينبهنا الشيخ الشاعر محمد رضا الأصفهاني النجفي صاحب الكتاب الأصوليّ المعروف: (وقاية الأذهان) (1870ـ 1943هـ) إلى حقيقةٍ اتمنّى على الباحثين والقرّاء أخذها بعين الاعتبار، إذا ما أرادوا نقد الظواهر الإفراطيّة والتفريطيّة في واقعنا الشيعي والمخاطر التي أوجدتها؛ فإذا كانت فتوى المرجعِ الذي يُقلّده الناسُ تحكمُ بجوازِـ بل استحباب ـ سبِّ المخالفين واغتيابهم، وإظهار معايبهم، والنيل من رموزهم، وعدم جواز غسلهم ولا تكفينهم ولا الصلاة عليهم إلا للتقيّة… فمن الطبيعي أن تنعقد سيرة الناس على ذلك عمليّاً، وإذا كانت فتوى المرجع الذي يقلّده الناس تحكم باستحباب التطبير والزنجيل والمشي على الجمر…فمن الطبيعي جدّاً أن تنعقد سيرة مقلِّديهم على ذلك، بل وتتفاقم أكثر وأكثر لاستحداث وسائل تعبيريّة جديدة؛ للتعبير فيها عن حزنهم وألمهم على مصاب الحسين بن علي (ع) وأسرته وأصحابه وما جرى عليهم في كربلاء، من الطبيعي ذلك لأنّ مرجع تقليدهم وضع القاعدة العامّة في ما يخصّ الشعائر الحسينيّة بأيديهم، ومنحهم صلاحيّة استحداث أي وسيلة يرونها تطبيقاً من تطبيقات هذه القاعدة حتّى وإن خرجت عن الاساليب المتعارفة.
دعونا نوسّع الموضوع إلى خارج الدائرة المذهبيّة، ونترك المجال إلى الشيخ أبي المجد الأصفهاني ليعمّق فكرته التي صدّرنا بها المقال من خلال مثالٍ يوميٍّ نعيشه نحن أبناء المذهب الجعفري فيقول:
«وأنت تعلم أنّ السيرة في زماننا وما قاربه على تأخير الإفطار وصلاة المغرب عن ذهاب الحمرة المشرقيّة عن سمت الرأس، بل يُعدّ [هذا الأمر] من ضروريّ المذهب، وهو ممّا يعرف به الموافق من المخالف، وسواد المخالفين يعرفون ذلك منّا فضلًا عن الموافقين، كما أنّ سوادنا بالعكس، حتّى أنّهم إذا أرادوا معرفة الرجل من أيّ الفريقين اُمتحن بصلاته وإفطاره، مع أنّه خلاف مذهب جمهور السلف إلى زمان الفاضلين، بل اعتباره على ما يعتبره المتأخّرون، لا باعتبار أنّه علامة للشاكّ، و كان القول به نادراً في زمان الشيخ [الطوسي] كما يستفاد من عبارة المبسوط؛ [فقد] قال بعد الحكم بأنّ الوقت سقوط القرص: (وفي أصحابنا من يراعي زوال الحمرة، وهو أحوط)، وظاهر أنّ مثل هذا التعبير لا يكون إلّا عن النادر. والوحيد [البهبهاني] بنفسه من القائلين بأنّ الوقت سقوط القرص [قرص الشمس]، ولا شكّ أنّ مقلِّديه كانوا يفطرون ويصلّون قبل ذهابها…».
ومع إغماض النظر عن المناقشة في المثال والتي لا تُعدّ من دأب المحصّلين، لكن أصل ما ذكره يُعدّ منبّهاً قديراً ينبغي على الباحثين والمتابعين إيلاء عناية له وهم يريدون ممارسة النقد الديني والمذهبيّ، ومن هنا: فلا يصحّ اتّهام الناس البسطاء بالعمالة والتخوين وعدم الوعي حينما نلحظ منهم ممارسات لا يرتضيها مرجع التقليد الذي نرجع إليه أو أنّه لم يُظهر موقفاً حيالها لأيّ سبب اتّفق كما نوّهنا لذلك في مقالات سابقة؛ فإن هؤلاء انساقوا لفتاوى مرجع تقليدهم أيضاً، والتي حبّذت لهم هذا الأفعال وأكّدت على ممارستها والتشدّد فيها.
وفي قناعتي: إنّ من يريد نقد الظواهر والممارسات التي يراها سلبيّةً ومغلوطةً عند بعض الأجنحة في داخل المذهب الواحد، فعليه أن يوجّه سهام نقدّه (الموضوعي) إلى نفس مرجع التقليد الذي حكم بها وارتضاها وسوّغها وبرّرها، ولكن عليه التمييز بين نقد الأشخاص، ونقد أدواتهم ومنهجهم الاستنباطي، والمطلوب هو الثاني لا الأوّل، وبذلك نحفظ للتشيّع هيبته ووقاره.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...