الفهم الفقهي واستغلال طيبة أهل الحمام

27 أكتوبر 2016
1240

أشرت في مقالٍ سابق إلى الحكمة العمليّة التي مارسها الإمام الصادق (ع) وتلميذه المفضّل بن عمر في توجيه عِلية الفقهاء في مدرسة أهل البيت (ع)؛ حيث نوّه (روحي فداه) إلى ضرورة الاهتمام بجميع شرائح المجتمع وبمختلف طبقاته، وإن السمت الحوزوي والانزواء الآخوندي والشعور بالأناقة الدائم ظواهر ينبغي أن تزول بين أبناء الخطّ الديني، بل تتقدّم شهامة الشقاوات في كثير من الأحيان على فقاهة الفقهاء. وقد ذكرت حينها تحفّظي الشديد على التفسير الذي قدّمه كبير الرجاليين المعاصرين لهذه الرواية، وهو العلّامة المامقاني (1290ـ 1351هـ)، التفسير الذي يكشف عن مؤشّرات خطيرة جدّاً أتمنّى أن لا تكون هي السرّ وراء لطف وطيبة بعض المعنييّن مع بعض هذه الشرائح المجتمعيّة؛ لنصغي إليه وهو يعلّق على الرواية التي نقلها الكشّي في رجاله حيث قال في تنقيح المقال بعد أن قبل بها؛ بقرينة عموم الروايات الأخرى:
«أنظر يرحمك الله تعالى إعمال الصّادق (ع) حكمة عمليّة، وفهم المفضّل مراد المعصوم وإعماله أيضاً حكمة عمليّة؛ وذلك إنّهم [الفقهاء] لما عابوا على المفضّل مجالسة السّفلة والأنذال [في عرفهم طبعاً] أراد الإمام (ع) أن يبيّن لهم سرّ تلك المجالسة، فكتب الكتاب، وأرسله مع الجماعة، وكلّف المفضّل بشراء أشياء له (ع) يتوقّف شرائها على مال خطير… إن سرّ إرساله (ع) الكتاب مع هؤلاء الجماعة مع كفاية واحد لحمل الكتاب [هو]: أن يتبيّن لهم سرّ مجالسة الإنذال والفسقة، فكلّف الجماعة الحاملين للكتاب بتهيئة مال لشراء ما طلبه أبو عبد الله [الصادق] (ع) فاعتذروا بأن المال خطير، واستمهلوا التّهيئة، فحبسهم للغداء، وأرسل خلف السّفلة، وآراهم كتاب أبى عبد الله (ع)، فهيّأوا المال قبل فراغهم من الغداء، فأرى المفضّل الجماعة بفعله أن مجالسة مع هؤلاء إنّما هو من باب مصاحبة الصيّاد للكلب، وإنّه إنّما تحمّل فضيحة مجالسة هؤلاء لإيصال الصّيد الى إمامه، ومراده بقوله: (تظنّون إن الله يحتاج إلى صلوتكم وصومكم) [أي] إن صلوتكم وصومكم لا ترفع حاجة الإمام(ع)، ولا يتهيّأ ما يريده (ع)؛ فكما إن الكون يحتاج إلى متعبّد، فكذا يحتاج إلى من يهيّأ المال، ففى الخبر دلالة على تبرئته(ع) المفضّل ممّا رُمى به، النّاشى من مجالسة الاجلاف والفسقة».
أقول: أخشى أن تكون ليونة بعض رجال الدين مع (بعض) أبناء الحشد الشعبي تقع من باب مصاحبة الصّياد التي تحدّث عنها المامقاني صاحب أكبر موسوعة رجاليّة شيعيّة معاصرة، واتوجّس خيفة من فرضيّة استغلال طيبتهم وشهامتهم وشجاعتهم على طريقة: (شيّم المعيدي وأخذ عباته)، وأرجو منهم أن يتفطّنوا لذلك؛ فأمثال هذه الأفهام الفقهيّة الموروثة لها مشتريّةٌ كُثر في هذه الأيام.
على أن مراد الإمام (ع) من الحكمة التي جسّدتها هذه القصّة الواقعيّة ليس ما ذكره المامقاني من شرعنة استغلال هذه الطبقات المسحوقة فكريّاً، بل لتقديم نموذج عملي للفقهاء من طلّابه يوضّح لهم: ضرورة الاهتمام بجميع أصناف المجتمع، والتواصل معهم؛ لرفع مستواهم وتلبية حاجاتهم.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...