العمامة على الطريقة البرمائيّة

27 أكتوبر 2016
1214

أنا من المؤمنين بضرورة حصر ارتداء العمامة بمن أكمل مرحلة المقدّمات والسطوح (بشكل حقيقيّ) على أقل تقدير، والتي تتطلّب من طالب الحوزة ما يقرب من (٧ـ١٠) سنوات في الدراسة الحوزويّة، ولا يحقّ لأي شخص ارتداءها قبل إكمال ذلك حتّى وإن كان خطيباً حسينيّاً كما هو السلوك السائد…، وينبغي أن يحصل التمييز العلميّ على أساسها؛ كما في الشهادات الجامعيّة في الدراسات الأكاديميّة؛ بحيث إن من يلبس العمّة يُعرف في الأوساط بكونه قد قضى شطراً معيناً من الدراسات الحوزويّة، ولم يمنح هذا الوسام إلا بعد إكماله الحدّ الأدنى لشروط ذلك.
لا أريد أن أقسو بذلك على بعض أخواننا وهم في بدايات طريقهم الحوزوي، بل أتمنّى لهم كلّ الخير والتوفيق في إكمال مشوارهم العلميّ المملوء بالمخاطر، ولكن ما أتمنّاه وأدعو إليه هو جزء من ضرورة حوزويّة تصبّ في صالحهم أيضاً؛ وذلك لأنّ علينا أن نقرّ: بأنّ العمامة بصيغتها الحاليّة الفضفاضة بدأت تفتقد وهجها وقداستها في أوساطنا الشيعيّة؛ ليس لضعف الخطاب الشيعيّ المُنتَج فحسب، وليس لضعف التأهيل الحوزوي المتمسّك بمنهجيّة السلف الصالح فحسب، بل جرّاء خلو وفاض (بعض) مرتدي العمامة من التكوين العلميّ الصحيح، وعلى المعنيين: التفكير الجدّي في كيفيّة الحفاظ على قداستها وحرمتها ومكانتاها أيضاً.
كما أنّي لا أؤمن بالمقولة التي تريد أن تبرّر الأداء العلميّ السيء لبعض المعمّمين من خلال طرح فرضيّة: (إن العمامة لا قدسيّة لها، بل هي لباس عادي كغيره من الألبسة، يلبسها العالم والجاهل معاً)؛ فالمجتمع الشيعيّ ينظر للإنسان المعمّم نظرة تمنحه درجة علميّة ودينيّة يمتاز بها عن غيره من بني البشر، فلا ينبغي أن نفرّط بهذه النظرة المجتمعيّة الصحيحة من خلال التمسّك بسيرة حوزويّة عفّ عليها الزمن، تبيح لكلّ من دخل الحوزة يوماً أو ارتقى المنبر ساعةً أن يرتدي العمامة ولا حسيب ولا رقيب؛ فليس الهدف من ارتداء العمامة هو تكثير السواد؛ بل تهدف الحوزة العلميّة من وراءها: تقديم نموذج علمي وعمليّ للأمّة الإسلاميّة، وإذا صار البناء أن تسمح الحوزة بارتداء العمامة لكلّ من درس سطراً أو قال حرفاً، فعلينا أن نقرأ الفاتحة على العمامة وتأثيراتها بشكل كامل في المستقبل القريب.
نعم؛ أؤمن بالعمامة على الطريقة البرمائيّة (لمن لم تسعفه الظروف لارتداءها بشكل دائم)، فيرتديها أحياناً لضرورة العمل التبليغي وممارساته وضروراته، ويخلعها في أحيانٍ أخرى رعاية لظروف زمانيّة ومكانيّة معيّنة، ولكن ليس على طريقة (كلّ من صخّم وجهه صار حداداً)، وبذلك نحفظ للحوزة والعمامة هيبتها.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...