السيّد سعيد الحكيم وحكم النظر إلى عورة المخالف

22 فبراير 2016
1731
ميثاق العسر

تحدّثت ـ في مقالات سابقة ـ عن المنهجيّة التي ينطلق منها الفقه الشيعي في تعامله مع ما يُصطلح عليه في عُرف دراساتهم بـ (المخالف)، والذي يعني عندهم: غير الشيعي الأثني عشري من أبناء بقيّة المذاهب الإسلاميّة، وقد أوضحت فيما سبق: إن مسار الفقه الشيعي المتداول يجعل السنّي في مصافّ الكافر الذي لا حرمة ولا إنسانيّة […]


تحدّثت ـ في مقالات سابقة ـ عن المنهجيّة التي ينطلق منها الفقه الشيعي في تعامله مع ما يُصطلح عليه في عُرف دراساتهم بـ (المخالف)، والذي يعني عندهم: غير الشيعي الأثني عشري من أبناء بقيّة المذاهب الإسلاميّة، وقد أوضحت فيما سبق: إن مسار الفقه الشيعي المتداول يجعل السنّي في مصافّ الكافر الذي لا حرمة ولا إنسانيّة له على حدّ تعبيرهم، وإن نصّوا على ضرورة التعاطي الفقهي معه في عصر الهُدنة على أساس كونه مسلم من حيث الطهارة والنجاسة والذبائح…وغيرها، وقد ذكرت شواهد على هذه الدعوى، ووعدت بتعميقها بشواهد أكثر.
سنحاول اليوم أن نطرح مثالاً يحمل ميزتين، الأولى: تتعلّق بما لوّحنا إليه سابقاً حول دور الفقهاء في التعميق الاجتماعيّ الخاطئ لمقولة: (الرُشد في خلافهم)، وما يعزّز هذه الميزة من شواهد تركّز ظاهرة التطرّف في المجتمع الشيعي، والثانية وهي الحديثة: تتعلّق بتعزيز الفكرة التي طرحناها سابقاً حينما وصفنا آليّات الفقه المعاصر بـ (الميكانيكيّة)، والتي لا تلحظ الفقه كعلم عملي، بل تنظر إليه كأدوات احترافيّة وعمليّة (فيترة) صناعيّة، توصل إلى نتائج نظريّة بحتة، ليس لها علاقة بالواقع المجتمعي، وبناءه الصالح.

جواز النظر إلى عورة الكافر
وقع البحث بين فقهاء الشيعة في جواز النظر إلى عورة الكافر وعدم جواز ذلك، وقد ذهب أغلب المعاصرين منهم إلى: الجواز، وإن احتاطوا في مقام الفتوى بالحرمة أو الكراهة. ولكي نعين القارئ على استيعاب هذا الحكم الذي قد يصطدم مع تربيته الاجتماعيّة نضرب مثالاً عمليّاً لذلك:
إذا أنكر أحد وجوب الصلاة بهذه الطريقة المتداولة، ورأى نفسه غير ملزم بصيغتها الثنائيّة والثلاثيّة والرباعيّة بأي بيان من البيانات المعاصرة، فهو كافر دون شكّ عند جميع الفقهاء؛ حتّى وإن شهد الشهادتين، ومارس جميع الطقوس العباديّة الأخرى، وإذا كان الأمر كذلك، فقد ذهب أغلب الفقهاء (المعاصرين) إلى جواز النظر إلى عورته (في مقام البحث الفقهي دون الفتوى)؛ لأنّه حرمة النظر إلى العورة حكم شرعيّ يلحق كلّ من ثبتت له كرامة (فقهيّة) في الرتبة السابقة، ولا شكّ في أن من ينكر الصلاة بهذه الصيغة ليس كذلك، فيجوز النظر إلى عورته، نعم خصّ بعضهم هذا الحكم بالمماثل فقط، أي: يجوز أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل الكافر، ويجوز أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة الكافرة، ولكن إذا دخلت الريبة والشهوة على الخطّ يبطل الحكم، فيتحوّل من الحليّة إلى الحرمة؛ لحكومة تلك الأدلّة على هذه الأدلّة… إلى غير ذلك من البيانات التخصصيّة التي يطرحها الفقهاء في أمثال هذه القضايا، ولكن من حسن الطالع: إن (أغلب) الفقهاء المعاصرين يحتاطون في مقام الفتوى، فيحرّمون أو يحبّذون على مقلّديهم عدم ممارسة ذلك.
وقد ساق الفقهاء لهذا الحكم روايتين فقط، متّحدتان بالمضمون والّلفظ تقريباً، أحدهما: صحيحة أبن ابي عمير، عن الصادق (ع) حيث قال: «النظر إلى عورة من ليس بمسلم مثل نظرك إلى عورة حمار»، والأخرى: مشابهة لها. وقد نصّ السيّد الخوئي (1992م) على أن هذين الروايتين صريحتان في جواز النظر إلى عورة غير المسلم، ولعل الوجه فيه كما يُقرّر (رحمه الله): «إن غير المسلم نازل عن الإنسانيّة، وساقط عن الاحترام، فحالهم حال الحيوان؛ لأنّهم كالأنعام بل هم أضلّ… وهذا يكفينا في الحكم بجواز النظر إلى عورة الكافر؛ لأنّه مقتضى الصناعة العلميّة، وإن كان الاحتياط في تركه».
وهنا يبرز لونٌ آخر من الفقاهة النجفيّة، والذي يميّز الفقيه عن غيره بمقدار اغراقه في توظيف أدوات الصناعة الفقهيّة، فكلّما كان الفقيه أكثر توظيفاً لأدوات الصناعة كان أكثر فقاهة في نظرهم، ومن هذا المنطلق ذهب السيّد سعيد الحكيم، وهو من مراجع الشيعة المعاصرين في النجف الأشرف، إلى أن جواز النظر إلى عورة الكافر (ربّما) يشمل عورة المخالف أيضاً، أي غير الشيعي من أبناء باقي المذاهب الإسلاميّة؛ وذلك لأدلّة ثلاثة:
الدليل الأوّل: فقدان الدليل على حرمة النظر إلى عورة المخالف.
الدليل الثاني: لم يثبت اهتمام الشارع بكرامة المخالف.
الدليل الثالث: إن أدلّة حرمة النظر إلى عورة الغير تختصّ بعورة الأخ الاصطلاحي والمؤمن، ولا أخوّة ولا إيمان بين الشيعي وغيره من أبناء باقي المذاهب الإسلاميّة.
لكنّه عاد بعد أن طرح هذا الاحتمال وأدلّته إلى الاستشكال في ذلك، محاولاً تفسير الإسلام والإيمان الذي جاء في أدلّة حرمة النظر بالإسلام الظاهري والإيمان العامّ الذي يشمل المسلم المخالف أيضاً، ومن ثمّ اضطر في رسالته العمليّة إلى تقييد حرمة النظر إلى عورة المخالف بالاحتياط الوجوبي، الأمر الذي يكشف عن عدم اطمئنانه بدليل الحرمة.
قال السيّد سعيد الحكيم في منهاج الصالحين: «يحرم النظر لعورة المؤمن [الشيعي]، وكذا المخالف [المسلم غير الشيعي] على الأحوط وجوباً». بيد أنّه (دام ظلّه) لم ير مبرّراً ـ بعد وضوح الأدلّة عنده ـ لضرورة الاحتياط في النظر إلى عورة الكافر المماثل كما فعل أغلب معاصريه، بل أفتى بجواز ذلك صراحة وقال: «يجوز نظر الرجل لعورة الرجل الكافر، ونظر المرأة لعورة المرأة الكافرة، دون العكس. نعم؛ لا بدّ أن لا يكون النظر إليها مثيراً للشهوة…».
إن ما نصّ عليه السيّد سعيد الحكيم (دام ظلّه) ليس بدعاً من القول على الإطلاق، بل هي ممارسة فقهيّة معقولة جدّاً وفقاً للمنهج الفقهي المتداول، ومن يدعّ خلاف ذلك فهو لم يذقْ طعم الفقه على حدّ تعبيرهم؛ فهناك نصوص، وهناك فهم لها، وهناك قواعد مسلّمة عندهم، وقد طبّق الفقيه تلك القواعد على تلك الأدلّة فاستنبط هذا الحكم، فما الغرابة في هذا الأمر؟!
وهنا نسأل: هل يمكن أن يفسّر لنا دعاة التعايش السلمي ودولة المواطنة، ودعاة إن الفقه الشيعي (المتداول) لا يدعو للتطرّف والقمع على الإطلاق، بل هو من أكثر العلوم أخلاقيّة وطهارة ونجابة، هل يمكن لجميع هؤلاء أن يفسّروا لنا: كيف وضع الفقهاء الشيعة: (بقيّة المذاهب الإسلاميّة الأخرى) في مصافّ الكافر الذي لا حرمة ولا كرامة له؟! وكيف يمكن لهم التبشير بذلك: وإن بعض مراجعهم المعاصرين يباحثون طلّابهم في جواز النظر إلى عورة المخالفين أيضاً؟! كيف يمكن أن يَقنع الآخر غير المسلم بأن الشيعة ضدّ التطرّف والقمع في الفقهاء الشيعة لا يعترفون بحرمة وكرامة جميع تفاصيل جسده؟!


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...