الرّسول، زيد، زينب، إشكاليّة الصّراحة!! الحلقة الأولى

15 أكتوبر 2020
307
ميثاق العسر

#سواء أ قلنا: إنّ عموم النّصوص القرآنيّة وحيّ سماويّ لفظيّ ليس للرّسول من دور فيها سوى النّقل الأمين كما هو مختار عموم علماء الإسلام، أو قلنا: إنّه من صياغات الرّسول وبياناته كما هو رأي بعض الباحثين، فإنّنا حينما نقرأ النّصوص القرآنيّة الّتي قرّرت: “وإذ تقول للّذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أمسك عليك زوجك واتّق […]


#سواء أ قلنا: إنّ عموم النّصوص القرآنيّة وحيّ سماويّ لفظيّ ليس للرّسول من دور فيها سوى النّقل الأمين كما هو مختار عموم علماء الإسلام، أو قلنا: إنّه من صياغات الرّسول وبياناته كما هو رأي بعض الباحثين، فإنّنا حينما نقرأ النّصوص القرآنيّة الّتي قرّرت: “وإذ تقول للّذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه: أمسك عليك زوجك واتّق الله، وتُخفي في نفسك ما الله مُبديه، وتخشى النّاس والله أحقّ أن تخشاه” [الأحزاب: 37]، أقول حينما نقرأ هذه النّصوص: نجزم بأنّ هناك شيئاً أخفاه الرّسول يرتبط بامرأة متزوّجة، وأخفى هذه الشّيء خشيةً من النّاس، فجاء الّلوم أو الذمّ أو المعاتبة له من قبل السّماء أو من قبل نفسه ـ حسب اختلاف المباني آنفة الذّكر ـ بهذه الصّيغة: “وتخفي في نفسك ما الله مُبديه، وتخشى النّاس والله أحقّ أن تخشاه”، لكنّ الشّيء الأساس الّذي ينبغي الاستعلام عنه هو: ما هو الشّيء الّذي أخفاه وجلاً من النّاس وأرادت السّماء أو هو إظهاره؟!
#إذا أردنا الاقتصار على الآيات نفسها بمعزلٍ عن الاستعانة بالنّصوص الرّوائيّة الواردة في هذا الشّأن فالظّاهر أنّ الجزء الأخير من الآية يفسّر لنا جانباً من المشهد؛ حيث تنصّ قائلة: “فلمّا قضى زيد منها وطراً زوّجناكها؛ لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطراً”، ولهذا ذهب أغلب المفّسرين إلى أنّ الشّيء الّذي أخفاه الرّسول هو عدم إعلام النّاس بأنّ السّماء قرّرت تزويجه من هذه المرأة المتزوّجة؛ وذلك لوجله من كلامهم تحت ذريعة أنّ محمّداً تزوّج زوجة ابنه الّذي تبنّاه، مهما فلسفنا هذا الخوف ومبرّراته.
#وهذا الصّيغة من التّفسير لا نراها مُقنعة؛ إذ إنّها ترتكز على مصادرة لا شاهد قرآنيّ عليها، وهي: أنّ السّماء أخبرته قبل طلاق زينب ـ وهي المرأة المتزوّجة الّتي عنتها النّصوص القرآنيّة ـ بأنّها ستكون زوجته المستقبليّة، وعليه طلب تطليقها، وعدم نصح زيد بإمساكها خلافاً لإرادة السّماء؛ وذلك لأنّها فرضيّة لا دليل عليها غير النّصوص الرّوائيّة، وإذا صار البناء الاحتكام إليها ـ أي الأخبار ـ فسيخرج البحث عن قرآنيّته، ويصبح تابعاً للنّصوص ونقاوتها السنديّة ومقدار ما يُستظهر منها، وهذا خُلف الفرض في هذا المقام.
#ودعوى أنّ هذه المصادرة دليلها تكملة الآية القائلة: “فلمّا قضى زيد منها وطراً زوّجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهنّ وطراً” فاسدةٌ جدّاً؛ لأنّ هذه التّكملة تتحدّث عن مطلب مستأنف جديد لا علاقة له بما تقدّم من هذا الحيث؛ إذ بعد أن عاتبت أو قرّعت السّماءُ الرّسولَ على إخفائه الحقيقة وخشيته النّاس، وبعد نهاية هذا الزّواج عمليّاً وانتهاء عدّتها، وجدت أنّ زواجه من المطلّقة زينب سيوفّر أرضيّة لرفع الحرج عن المؤمنين في الزّواج من مطلّقات أدعيائهم، فأمرته بذلك وكان ذلك قدراً مفعولاً، أمّا أنّ هذا الأمر هو الّذي أخفاه الرّسول خشية من النّاس فلا مثبت له من هذه التّكملة، سّيما إذا لحظنا لفظ الماضويّة لـ “قضى”، و “زوّجناكها” المتفرّع منها، وقارنّاه مع “تقول؛ تخفي، تخشى” الواردة في مطلعها، الّلهم إلّا إذا استندنا على صنف خاصّ من الموروث الرّوائي، وحاولنا تفسير الخشية الّتي جعلها الرّسول مبرّراً لإخفائه الأمر بمتعلّق الحرج الّذي تحدّثت عنه هذه التّكملة من الآية، والأوّل خروج عن القرآن، والثّاني: جعل المدّعى عين الدّليل، فرجعت المصادرة من رأس.
#وإذا صرفنا النّظر عن هذا التّحليل، وآمنّا جدلاً بأنّ الشّيء الّذي كان على الرّسول إظهاره هو إرادة السّماء لتطليقها وزواجه منها، لكنّا نسأل: ما معنى أن يخشى الرّسول الإفصاح عن شيء يتعلّق برغبة السّماء وإرادتها حتّى تضطرّ السّماء إلى الدّخول على الخطّ لتقريعه بسبب ذلك، ولماذا يلجأ الرّسول للحديث مع زيد بطريقة أخلاقيّة يمارسها أيّ واعظ دينيّ ما دامت تخالف إرادة السّماء ومقرّراتها، وكيف يُمكن ضمان تطابق توجيهاته الآمرة والنّاهية مع إرادة السّماء ما دام الطّريق الحصريّ لاكتشاف ذلك هو الرّسول نفسه؟!
#إنّ هذا الّلون من التأويليّة ربّما توفّق في رفع المسؤوليّة عن الرّسول وتُبرّأ ساحته أخلاقيّاً وعرفيّاً أيضاً، لكنّها تضعها في عنق السّماء في نهاية المطاف؛ إذ ما معنى تدبيرها مثل هذه التّمثيليّة منذ البداية تحت ذريعة القضاء على ظاهرة التّبنّي وتفعيل ظاهرة زواج المُتبنِّي من طليقة المتبنَّى، وتُحرج الرّسول بمثل هذا الإحراج، فتحدّد له الأهداف والمسارات والأدوار، ومع هذا ينتصر لذاته وأخلاقيّاته، ويتمنّع عن القيام بعهدة الدّور الأخير منها، وكأنّ السّماء لا تعرف ما يضرّها ممّا ينفعها، فتدخل على الخطّ لتقريعه وملامته، أ لم يكن بمقدورها أن تقرّر حرمة التّبنّي ولوازمه وتوابعه بنصّ قانونيّ حاسم، وسينصاع المسلمون جميعاً له دون نقاش؟!
#في ضوء هذه البيانات يجب أن نؤمن بأنّ ثمّة إشكاليّة في هذه الآية لا يمكن حلّها بهذه الطّريقة قرآنيّاً إلّا على أساس المصادرة الّتي حتّى لو قبلناها ـ ولا نقبلها ـ فهي تفتح ثغرات أخرى حول تمرّد الرّسول على مُرسله وانتصاره لأخلاقه، وهذا الإخفاق يحتّم علينا العودة إلى النّصوص الرّوائيّة لاكتشاف التّفسيرات أو التّأويلات الّتي يمكن أن تُقدّمها في هذا المجال. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#الرّسول_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...