الحسين الحقيقي والحسين المذهبي!!

1 سبتمبر 2020
361
ميثاق العسر

#ولد الحسين الحقيقيّ في السّنة الثّالثة أو الرّابعة من الهجرة وعاش في كنف جدّه محمّد “ص” وأمّه فاطمة “ع” ست أو سبع سنين لا غير، عاصر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وشارك فيما يُسمّى بالفتوحات وتقاضى من غنائمها وإتاواتها الشّرعيّة ونكح سباياها، وعاش مع أبيه عليّ “ع” ثلاثة أو أربعة وثلاثين عاماً وشارك معه في […]


#ولد الحسين الحقيقيّ في السّنة الثّالثة أو الرّابعة من الهجرة وعاش في كنف جدّه محمّد “ص” وأمّه فاطمة “ع” ست أو سبع سنين لا غير، عاصر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وشارك فيما يُسمّى بالفتوحات وتقاضى من غنائمها وإتاواتها الشّرعيّة ونكح سباياها، وعاش مع أبيه عليّ “ع” ثلاثة أو أربعة وثلاثين عاماً وشارك معه في حروبه الثّلاثة، كما عاش مع شقيقه الحسن “ع” سبعاً وأربعين سنة تقريباً، وكانت لديه تحفّظات بالغة على تنازله عن الخلافة لمعاوية، لكنّه بايع معاوية وانصهر مع خلافته حتّى نهايتها، واستلم جوائزها ومرتّباتها وعطاياها، وصلّى خلف أمرائها.
#وبعد موت معاوية كان يرى في نفسه الأحقيّة بالخلافة انطلاقاً من منطق القرابة، لذا لم يبايع يزيد وخرج من المدينة خائفاً يترقّب حتّى استقرّ في مكّة، وبعد مراسلات وتواصل مع أهل الكوفة وأخذ بيعتهم قصدها، لكنّ يزيد أرسل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة فأنهى تمرّدها، ولمّا علم الحسين الحقيقيّ بذلك فكّر بالعودة لكنّ بني عقيل تمنّعوا، ولمّا التقى بالحرّ الرّياحي وعرف أنّ العودة هي الخيار الأسلم والآمن أصرّ عليها لكنّ الرّفض كان قباله، وهكذا استمرّ الموقف بعد مفاوضات حرجة للغاية مع عمر بن سعد لم تسفر عن الوصول إلى تسوية إلّا بمبايعة عبيد الله بن زياد، الأمر الّذي رفضه الحسين الحقيقي، فوقعت المعركة غير المتكافئة والّتي كانت معلومة النّتائج سلفاً، فقُتل الحسين الحقيقي في يوم العاشر من محرّم لعام: “61هـ” وذهب إلى ربّه شهيداً مظلوماً، وانتهى كلّ شيء؛ حيث لم يخلّف كتاباً ولا تلامذةً ولا تُراثاً علميّاً بالمُطلق.
#وفي اليوم نفسه الّذي استشهد الحسين الحقيقي فيه ولد: الحسين المذهبي، وولدت معه المواقف والنّصوص والخطب والزّيارات والأدعية والأساطير والخرافات و “الدّجليات” الّتي أفرزت ما شاء الله من الدّكاكين المذهبيّة على جميع المستويات، وأوّل هذه الولادات هو الصّراع على الزّعامة الأُسريّة من بعده بين أخيه ابن الحنفيّة ونجله السجّاد، وفي الوقت نفسه الصّراع بين أولاد شقيقه الحسن وبين أولاد ابنه السجّاد، وهي صراعات حّكمتها ونظّرت لها البطون الّلاحقة لهم؛ وقد تطوّرت هذه الصّراعات بعد ذلك إلى توليد نصوص لذمّ الطّرف الآخر وللانتصار عليه تحت عنوان الإمامة الإلهيّة، وتمّ ذلك بمعاونة شيعة الكوفة الّذين غدر آباؤهم بالحسين الحقيقي، وأخذ كلّ طرف يركّز على جانب ما بين العاطفة والثوريّة، وكلّها ترتضع من تفسيرها الخاصّ لحركة الحسين بن عليّ “ع” فضلاً عن حكاية الأحقيّة بالخلافة، وهكذا حتّى قُضي على أنصار هذه الفرق وتسيّدت الاثنا عشريّة على القرار.
#أجل؛ الحسين الحقيقيّ كان مقتله وشهادته في عاشوراء سنة إحدى وستّين هجريّة، وما نشهده من تجليّات ومظاهر وطقوس وممارسات وفلوكلورات شعبيّة إنّما هي من مظاهر الحسين المذهبي المولود في لحظة مقتل الأوّل، وما لم نفرّق بينهما سنبقى نعيش أوهاماً ما بعدها أوهام، ونطوّر طقوساً وممارسات وزيارات، ونحارب ونقاتل ونعادي ونرخص الأنفس والأهل والأولاد والأموال خارج الحدود وداخلها، وكلّ ذلك لأجل الحسين المذهبيّ الّذي عشقناه، فتفطّن كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#الحسين_المذهبي


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...