الحجر الأسود وتوظيفاته الأثنا عشريّة!!

11 أكتوبر 2017
1074
ميثاق العسر

#روى الكليني في باب: “ما يُفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة” رواية لافتة وبإسانيد صحيحة عندهم عن أبي جعفر الباقر “ع” القول: «لما قُتل الحسين “ع” أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين “ع” فخلا به فقال له: يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله “ص” دفع الوصية والإمامة من […]


#روى الكليني في باب: “ما يُفصل به بين دعوى المحقّ والمبطل في أمر الإمامة” رواية لافتة وبإسانيد صحيحة عندهم عن أبي جعفر الباقر “ع” القول: «لما قُتل الحسين “ع” أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين “ع” فخلا به فقال له: يا ابن أخي قد علمت أن رسول الله “ص” دفع الوصية والإمامة من بعده إلى أمير المؤمنين “ع” ثمّ إلى الحسن “ع” ثمّ إلى الحسين “ع”، وقد قتل أبوك “رضي الله عنه وصلى على روحه” ولم يوص، وأنا عمّك وصنو أبيك، وولادتي من علي “ع” في سنيّ وقديمي أحقّ بها منك في حداثتك، فلا تنازعني في الوصيّة والإمامة، ولا تحاجني.
فقال له علي بن الحسين “ع”: يا عمّ اتّقّ الله ولا تدّع ما ليس لك بحقّ، إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين؛ إنّ أبي يا عمّ “صلوات الله عليه” أوصى إليّ قبل أن يتوجه إلى العراق وعهد إليّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله “ص” عندي، فلا تتعرّض لهذا؛ فإنّي أخاف عليك نقص العمر وتشتت الحال، إنّ الله عز وجلّ جعل الوصيّة والإمامة في عقب الحسين “ع” فإذا أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك.
قال أبو جعفر “ع” وكان الكلام بينهما بمكة فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود، فقال علي بن الحسين لمحمد بن الحنفية: أبدأ أنت، فابتهل إلى الله عزّ وجلّ وسله أن ينطق لك الحجر ثمّ سلّ. فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه.
#فقال علي بن الحسين “ع”: يا عمّ لو كنت وصيّاً وإماماً لأجابك. قال له محمد: فادع الله أنت يا ابن أخي وسلّه، فدعا الله علي بن الحسين “ع” بما أراد ثمّ قال: أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين لما أخبرتنا من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي “ع”؟
قال: فتحرّك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثمّ أنطقه الله عزّ وجلّ بلسان عربي مبين فقال: اللّهم إنّ الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي “ع” إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول الله “ص”. قال: فانصرف محمد بن علي [ابن الحنفيّة] وهو يتولّى علي بن الحسين “ع”». [الكافي: ج1، ص348].
#وتعليقاً على هذه الأسطورة أقول:
#أوّلاً: أ لم يكن بإمكان زرارة وأبي عبيدة ـ والّذين اُدّعي روايتهم هذه الأسطورة ـ أن يسألوا الباقر “ع” هذا السّؤال: إذا كان بناء أبيك السّجاد “ع” أن يُجري هذه المعجزة في التّنازع مع عمّه ابن الحنفيّة في سبيل قضيّة يمكن أن تكون عاديّة في وقتها حيث إنّ الواقع العملي سيكشف زيف المدّعي حسب أدبيّات الإمامة الشّيعيّة، فلماذا لم يسخّر أصل هذه القدرة الإعجازيّة حينما كان مريضاً ويرى الشّمر جاثماً على صدر أبيه الحسين “ع” بغية الحفاظ على وجود والده “ع” ولا تصل النّوبة إلى تلك الواقعة المفجعة الّتي أدمت قلوب المؤمنين حتّى قيام السّاعة؟!
#وثانياً: أ لم يكن الحسين “ع” يعلم بأنّه سوف يُقتل في واقعة كربلاء قبل خروجه كما هي القراءة المتداولة لحركته، فلماذا لم يحسم أمر خلافته بشكل جازم في أثناء لقائه مع أخيه محمد بن الحنفيّة في مكّة أو المدينة قبيل خروجه إلى كربلاء، فيلزمه الحجّة ويُشهد عليه الشّهود ويُشير إليه بضرورة اتّباع ولده علي الملقّب بالسّجاد والائتمار بأمره كما نوّهنا في منشور سابقة؛ يقوم “ع” بذلك لكيلا يُصار إلى مرجعيّة المعجزة والحجر الأسود؟! وهذا الأمر ممكن جدّاً ولا مخاوف أمنيّة ولا تقيّة فيه على الإطلاق؛ حيث كان الحسين “ع” قد عزم على مقارعة السّلطة الغاشمة والفاسدة في تلك الفترة؟!
#وثالثاً: أنا لا أدري هل وقعت هذه الواقعة أمام الملأ العام في الحرم المكّي أم وقعت والبيت خالٍ من الحجيج والمعتمرين؟! وإذا كانت قد وقعت أمام الملأ العامّ فإنّ تكلّم الحجر الأسود معجزة غريبة ولافتة ينبغي أن تتناقلها النّاس وتتداول بينهم بسرعة فائقة، فلماذا لم ينقلها سوى الباقر “ع” لزرارة وأبي عبيدة كما هي طريقة تركيبة السّند؟!
#ورابعاً: إذا قلنا إنّ الحادثة حصلت في سنة: “61هـ” فإنّ عمر الباقر “ع” حينها لا يتجاوز الأربع سنوات؛ ولا ندري كيف يتمكّن صّبي في هذا العمر من نقل هذه الحادثة وتفاصيلها ودقيّاتها، الّلهم إلّا أن يكون هذا الأمر قد حصل بعناية غيبيّة كما هي الشّماعة الجّاهزة في تبرير أمثال هذه الأساطير، لكن الظّاهر من الرّواية لا يوحي بذلك.
#لا شكّ لديّ بأنّ هذه الأسطورة ولدت في سياق ما اصطلح عليه بظاهرة نحت الأدلّة بعد الوقوع والّتي ولدت في أيّام التّخندق المذهبي وصناعة الذّات، [وقد تكرّر أمثالها في العلاقة بين العمّ وابن الأخ في مرحلة الجّواد والعسكري “ع” أيضاً]، وقد نُسج لها سند صحيح بغية تمريرها وإقناع النّاس وتخديرهم بها، وقد وفّق الوضّاعون لذلك حتّى الّلحظة للأسف الشّديد، فمتى نفيق لا أدري؟!
#قال المجلسي في مرآة العقول في ذيل هذه الرّواية: «… وقد يأول هذا [المضمون من الرّواية] بأنّ هذا الدعوى كان على سبيل المصلحة؛ لئلا تنخدع ضعفة الشيعة بأنّه أكبر وأقرب وأولى بالإمامة….». [مرآة العقول: ج4، ص86].


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...