التّوريث المرجعيّ ونتائجه المخيّبة!!

14 ديسمبر 2018
911
ميثاق العسر

#قبل أيّام ـ وأنا أكتب سلسلة “خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها” ـ تفاجئت كثيراً: حينما قرأت محاضرة محرّرة للسيّد صادق الشّيرازي “حفظه الله” كان قد ألقاها على طلّابه فيما يُصطلح عليه في عرف الدّراسات الحوزويّة بـ: “دروس الخارج”، وهي أعلى مرحلة يصلها طالب الحوزة في سلّمه الدرّاسي ويُفترض أن تكون على مستوى عالٍ […]


#قبل أيّام ـ وأنا أكتب سلسلة “خرافة فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها” ـ تفاجئت كثيراً: حينما قرأت محاضرة محرّرة للسيّد صادق الشّيرازي “حفظه الله” كان قد ألقاها على طلّابه فيما يُصطلح عليه في عرف الدّراسات الحوزويّة بـ: “دروس الخارج”، وهي أعلى مرحلة يصلها طالب الحوزة في سلّمه الدرّاسي ويُفترض أن تكون على مستوى عالٍ من التّحقيق والجدّ والاجتهاد والعمق، وقد حرّرت هذه المحاضرة ونُشرت في موقعه الرّسمي، وصدرت بعدها في كتاب حمل عنوان: “الغدير الثّاني”.
#وسبب تفاجئي: إنّني قرأت فيها أموراً لم أكن أتوقّع أن تصدر من طالب حوزة عادي يمتلك أدنى مستويات التّحصيل العلمي النّظامي المنضبط، لا أن تصدر من مرجع يدّعي الفقاهة والأعلميّة، وقد ورث من المرحوم أخيه مرجعيّةً يمكن أن تُعدّ الثّالثة إن لم نقل الثّانية من حيث عدد المقلّدين والإمكانيّات الماليّة والإعلاميّة في الوسط الإثني عشريّ، والفضائيّات الإثنا عشريّة ببابك للتّأكّد من هذا الموضوع.
#ولكي أشارك القارئ الكريم ما فوجئت به سأنقل له بعض تجليّات ذلك، وأحيله إلى أصل الكتاب الّذي وجدت فيه المحاضرة ليزداد تفاجؤاً، لكن بشرط أن يكون قد قرأ سلسلة حلقات “فرحة الزّهراء ودور الفقهاء في شرعنتها” والّتي ستكون ماثلة للطّبع قريباً إن شاء الله.
#اعترف المرجع صادق الشّيرازي بدايةً بأنّ سند رواية فرحة الزّهراء المرويّة عن أحمد بن إسحاق لا اعتبار له بمفرده؛ وذلك لوجود أشخاص مجهولين في سلسلته، لكنّه عاد بعد ذلك ليقرّر: إنّ الرّواية محفوفة بقرآئن تورث الاطمئنان النّوعي أو الشّخصي بصدورها أو بصدور مضمونها!!
#وحينما أراد بيان طبيعة هذه القرآئن الّتي أورثت لشخص سماحته أو لنوعه الاطمئنان بصدورها أو صدور مضمونها عرض سماحته لأربع قرآئن سأقتصر على ذكر ثلاثة منها:
#الأولى: «إنّ السيّد ابن طاووس نفسه ـ وهو من أهل الخبرة في هذا المجال؛ وله كتاب التّحرير الطّاووسي في علم الرّجال [!!] ـ قد وصف هذه الرّواية بكونها عظيمة الشأن [!!]».
#الثّانية: «كما نسبها السيّد ابن طاووس ـ أيضاً ـ إلى عمل جماعة، وهذا أيضاً ممّا يُعمل لأجله جمهرة من الفقهاء، أي: يُجبرون جهالة السّند بعمل جماعة من الفقهاء».
#الثّالثة: «وقال ابن طاووس أيضاً: أنّه وردت عدّة روايات موافقة لهذه الرّواية رويناها عن الصّدوق [!!]». [الغدير الثّاني: ص8].
#ويلاحظ عليه:
#أوّلاً: إنّ الرّواية كما هو تنصيص المجلسي قد رويت عن كتاب زوائد الفوائد المنسوب لنجل ابن طاووس لا ابن طاووس نفسه، وهذا ما صرّح به شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي في كتابه البحار وزاد المعاد أيضاً بوضوح، وشرحه تلميذه المبرّز الأفندي أيضاً وأكّده في رياض العلماء والتّحفة الفيزوزيّة، نعم جاء في الجزء الخامس والتّسعين من البحار نسبته إلى ابن طاووس، وهذا من سهو القلم، وكان على المرجع صادق الشّيرازي ـ بحكم كونه مرجعاً ـ أن يُراجع ويفحص، لا أن ينقل الخطأ وينحت أدلّة خاطئة لتبريره دون وعيّ ودراية.
#وثانياً: يبدو إنّ المرجع صادق الشّيرازي خلط ـ ولا أعرف سبب خلطه ـ بين السيّد عليّ بن طاووس وبين السيّد أحمد بن طاووس؛ وقرينة توهّمه: وصفه بالخبير في علم الرّجال الّذي له كتاب التّحرير الطّاووسي، مع إنّ الكتاب الأخير من مصنّفات نجل الشّهيد الثّاني أعني الشّيخ حسن المتوفّى سنة: “1011هـ”، المستخرج من كتاب صنّفه السيّد أحمد بن طاووس حمل عنوان: “حلّ الإشكال في معرفة الرّجال” كما بيّنا الحديث في ذلك مفصّلاً في سلسلة حلقات حول رجال ابن الغضائريّ، وليس للسيّد أحمد بن طاووس ولا نجل الشّهيد الثّاني علاقة بهذه الخرافة أصلاً.
#وثالثاً: إنّ تعبير السيّد ابن طاووس “الأب” عن الرّواية بكونها عظيمة لا يعني إنّه يُشير إلى رواية أحمد بن إسحاق أو رواية فرحة الزّهراء المعروفة، بل يُريد الإشارة إلى رواية رواها عن المرحوم الصّدوق تتضمّن خبر مقتل عمر بن الخطّاب في اليوم التّاسع من ربيع الأوّل، وهذه الرّواية لم تصلنا ولم يذكرها ابن طاووس “الأب” بنفسه، بل قد قام نفسه بردّها وتأويلها باعتبارها خلاف المشهور السنّي والإثني عشريّ الوارد في تاريخ مقتل عمر.
#ورابعاً: إنّ ابن طاووس “الأب” نسب الاحتفال والسّرور بيوم مقتل عمر إلى جماعة من العجم والأخوان لا كما توهّم صادق الشّيرازي، ولم يثبت إنّ من نُسب لهم عمل تعظيم السّرور هم من الفقهاء لكي يصحّ الاستناد إلى حجيّة عملهم إذا قلنا إنّ عمل فقهاء القرن السّابع برواية يُجبر سندها الضّعيف ذي المجاهيل!!
#وخامساً: لا أدري: أين ذكر ابن طاووس “الأب” ورود عدّة روايات موافقة لرواية أحمد بن إسحاق قد رواها عن الصّدوق؟! بل قد ذكر ما يناقض ذلك تماماً، ونصّ على إنّه لم يجد فيما تصفّح من الكتب إلى الآن رواية موافقة لرواية الصدوق النّاصّة على مقتل عمر بن الخطّاب في اليوم التّاسع من ربيع، ولم يتحدّث عن رواية أحمد بن إسحاق أو فرحة الزّهراء كما نصطلح عليها، نعم نقل المجلسي ذلك على لسان نجله في الكتاب المنسوب إليه كما ناقشنا ذلك مفصّلاً في البحوث المختصّة.
#وأخيراً: إذا كان هذا حال مرجع يمتلك عشرات الفضائيّات ومئات الحسينيّات والمراكز والخطباء والرّواديد…إلخ، والّذين يجعلون من أوامره وإرشاداته وفتاواه نصوصاً سماويّة؛ بحيث نراه يتحدّث بهذا المستوى السّاذج ويصف يوم مقتل عمر بن الخطّاب بالغدير الثّاني، أقول إذا كان هذا حاله فلماذا نلوم السّلفي الوهابي الّذي يفجّر نفسه تقرّباً إلى الله تعالى في نفر يطلب منهم مراجع تقليدهم الاستحمام بركة وسروراً بموت إمامه وزعيمه وخليفته الّذي يقدّسه ويجلّه؟! أجل لماذا نلومهم ونحن نقدّم لهم المبرّرات والمسوّغات على طبق من ذهب؟!
#لا تقل ليّ: هؤلاء شيرازيّة لا يمثلّون التّشيّع؛ إذ عليك أن تُراجع قبلها رسالة مرجع تقليدك لترى إنّه يحكم بانبغاء الاستحمام في يوم مقتل عمر بن الخطّاب إمّا استحباباً أو برجاء أن يكون مطلوباً من قبل الله تعالى فيؤجر المستحمّ ويثيبه، وإذا كان بيت مرجعك من زجاج فلا ترم بيوت بقيّة المراجع بحجر؛ فكلّهم في هذا الموضوع سواء، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
ميثاق العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...