التطوّرات الدلاليّة لمفهوم الغنيمة وبينونتها عن الخمس الشّيعي!!

22 يناير 2017
998
ميثاق العسر

#يرى المرحوم مرتضى العسكري إنّ من يريد أن يفهم دلالات مفردة الغنيمة في التّراث الإسلاميّ قرآناً وسنّة فعليه ألّا يقتصر في مراجعته على المعاجم الّلغويّة دون تفّهم للتطوّرات الاستعماليّة الّتي مرّت بها هذه المفردة تاريخيّاً، ويؤكّد على إنّ هذا الأمر سيعين الباحث على تفهّم الخلفيات الّتي تقف وراء ما يُتراءى من تعارضات في كلمات الّلغويين […]


#يرى المرحوم مرتضى العسكري إنّ من يريد أن يفهم دلالات مفردة الغنيمة في التّراث الإسلاميّ قرآناً وسنّة فعليه ألّا يقتصر في مراجعته على المعاجم الّلغويّة دون تفّهم للتطوّرات الاستعماليّة الّتي مرّت بها هذه المفردة تاريخيّاً، ويؤكّد على إنّ هذا الأمر سيعين الباحث على تفهّم الخلفيات الّتي تقف وراء ما يُتراءى من تعارضات في كلمات الّلغويين في تفسير هذه المفردة، ولأجل إيضاح هذه الفكرة الهامّة نجد من المناسب التوقّف قليلاً في عرضها؛ لكي نجيب على الأسئلة الّتي طرحناها في الحلقة الماضية، ونعي في نفس الوقت بينونة الخمس الشّيعي عن مفهوم الغنيمة لغةً وشرعاً.
#يقرّر العسكري إنّ مادّة غنم مرّت بتطوّرات دلاليّة ثلاث؛ إذ كانت:
أ ـ في العصر الجّاهلي وصدر الإسلام تستعمل حقيقة في: “الفوز بالشيء بلا مشقّة”.
ب ـ وبعد نزول آية الخمس استعملت حقيقة في: ما ظُفر به من جهة الأعداء وغيرهم، إلى جنب حقيقتها الّلغويّة الأولى الّتي لم تكن منسية يومذاك.
ج ـ وفي عصر تدوين الّلغة فما بعد استعملت حقيقة عند المسلمين في: الغنائم الحربيّة خاصّة، وذلك أيضاً إلى جنب حقيقتها الّلغويّة.
#ولكن حينما أراد هؤلاء الّلغويون أن يدوّنوا معاجمهم الّلغويّة لم يلتفتوا إلى تطوّر مدلول مادّة غنم بالنحو الّذي ذُكر آنفاً، ونتيجة ذلك:
• إن بعضهم لاحظ استعمالها في المدينة بعد تشريع الخمس كالرّاغب الأصفهاني فقال: «استعمل في كل مظفور به من جهة العدى وغيرهم».
• وإنّ بعضهم لاحظ استعمالها في العصر الجّاهلي كابن منظور وغيره فقال: «غنُم الشيء: فاز به ، والاغتنام : انتهاز الغنم…».
• وبعضهم لاحظ استعمالها في عصر الفتوحات الإسلاميّة ـ مع قرينة خفيت عليه ـ وبعدها ـ بلا قرينة ـ فقال: «الغنيمة ما أصيب من أموال أهل الحرب ” .
• وبعضهم تردّد في مادّة الغُنم فهل هو مشترك لفظيّ بين الفوز والفيء، أم إنّ الغنيمة بمعنى الفيء وسائر مشتّقات المادّة بمعنى الفوز بالشيء؟!
#ومرجع هذا الخلط كما يرى العسكري إنّما هو الخلط في تفسير مادّة غنم بالنّحو الّذي ذكره، والصّواب عنده: أن نلاحظ التطوّرات الدّلاليّة الّتي مرّت بها هذه المفردة من حيث الاستعمال كما تقدّم آنفاً، ولكن كيف يمكن لنا تحديد المعنى الدّلالي لهذه المفردة؟!
يجيب العسكري بأنّا:
• إذا وجدنا إحدى مشتقّات هذه المادّة الّلغويّة مستعملة في الكلام حتّى صدر الإسلام فينبغي حملها على معناها اللغوي خاصّة أي ” الفوز بالشيء بلا مشقّة” وفي غير الغنائم الحربيّة.
• وإذا وجدناها مستعملة بعد تشريع الخمس عند المسلمين أو في التشريع الإسلامي، فإمّا أن نحملها على: معناها اللغوي المذكور آنفاً أو على معناها الشرعي وهو: “الظفربالشيء من جهة العدى وغيرهم”؛ وذلك لكونها مشتركة بينهما.
• وإذا وجدناها مستعملة عندهم في عصر تدوين اللغة فما بعد فالأرجح حملها
على المشهور منها يومذاك عندهم، أيّ: الغنائم الحربيّة خاصّة.
#ويرى العسكري: إنّ استقراء موارد استعمال هذه الكلمة في ذلك العصر غالباً ما تكون مصحوبة بقرينة إمّا حاليّة أو مقاليّة تدلّ على المعنى الشّرعي، مع وجود موارد كثيرة استعملت فيها في معناها الّلغوي دونما قرينة. [مقدّمة مرآة العقول: ج1، ص90ـ93].
#سنعود في الحلقة القادمة لإكمال الحديث مع العسكري لنرى: هل كان موضوعيّاً في استعراضه للمرحلة الثّانية من دلالات الغنيمة، أم إنّه وقع في شراك المذهبيّة كما وقع سابقاً في إنكاره لوجود شخصيّة تاريخيّة اسمها عبد الله بن سبأ بغضّ النّظر عن الحكايات المنسوبة إليه، فتابعونا.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...