الأصفهاني ورفاقه يهدّدون البروجردي!! (2)

8 أكتوبر 2016
1189
ميثاق العسر

تقع مدينة بروجرد في القسم الغربي من إيران، وهي جزء من أقليم لُرستان الناطق بالّلغة أو الّلهجة الّلُريّة [الفيليّة] المُشارفة على الانقراض، خرج من هذه المدينة الإيرانيّة مشاهير عدّة، أبرزهم السيّد مهدي الطباطبائي البروجردي الملقّب ببحر العلوم، أعني الجدّ الأعلى للسادة بيت بحر العلوم المتوفّى سنة: (1797م)، والذي هو عمّ الجدّ الثاني للمترجم له، وفي […]


تقع مدينة بروجرد في القسم الغربي من إيران، وهي جزء من أقليم لُرستان الناطق بالّلغة أو الّلهجة الّلُريّة [الفيليّة] المُشارفة على الانقراض، خرج من هذه المدينة الإيرانيّة مشاهير عدّة، أبرزهم السيّد مهدي الطباطبائي البروجردي الملقّب ببحر العلوم، أعني الجدّ الأعلى للسادة بيت بحر العلوم المتوفّى سنة: (1797م)، والذي هو عمّ الجدّ الثاني للمترجم له، وفي هذه المدينة وفي عامّ: (1875م) تحديداً ولد السيّد حسين البروجردي، المرجع الشيعي الذي امتدت مرجعيّته “العليا” من عام: (1947م) وحتّى عامّ: (1961م)، درس المقدّمات في مدينة أصفهان، انتقل بعدها إلى النجف؛ ليحضر دروس كبار فقهائها كالآخوند الخراساني وشيخ الشريعة الأصفهاني، عاد وهو في عمر الخامسة والثلاثين ليستقرّ في مدينته بروجرد عامّ: (1910م) إثر ظروف عائليّة خاصّة، أخذ يمارس نشاطه التدريسي والتبليغي فيها لأكثر من ثلاثين سنة، تاركاً النجف لأهل النجف، ليخدم أهل جلدته ومنطقته، وإذا ما أرادت المرجعيّة أن تأتي فسوف تأتي دون تخطيط… لا أجد الفرصة مؤاتية لتفصيل الحديث حول حياة هذا الفقيه، وذكرت هذا المختصر كمقدّمة لما أريد تناوله، وربّما أوفّق في القادم من الأبحاث إلى استعراض بعض التفاصيل الّلازمة.
#في مطلع آيار من عام: (1927م) سافر البروجردي إلى الحجّ عن طريق العراق، حاول بعض الباحثين أن يربط بين سَفَرِه وبين هجرة علماء أصفهان بقيادة الشيخ نور الله الأصفهاني إلى مدينة قم وتحصّنهم فيها؛ اعتراضاً على سياسات رضا شاه البهلوي والتي كان أبرزها: قانون التجنيد الإلزامي، وإنّ سفر البروجردي كان للخلاص من تبعات ذلك، وخطّأ آخرون ذلك بسبب إن وقت سفره لم يكن فيه أي تحرّكات، وكيف ما يكون؛ فلا يمكن إثبات مثل هذا الربط ببساطة، كما لا يمكن نفيه أيضاً ببساطة، دون دراسة مفصلّة لوثائق تلك المرحلة، خصوصاً وإن أمثال هذه التزامنات شهدناها كثيراً في المرجعيّات النجفيّة المتأخّرة، ولعلّ حادثة تسفير طلّاب الحوزة الإيرانيّين ومقارنتها بسفر السيّد الخوئي إلى لندن للعلاج من أوضح الأمثلة التي يحاول بعض الباحثين أن يطرحها.
وبعد عودة البروجردي من الحجّ إلى النجف، وبعد تدهور الأوضاع في إيران بسبب هجرة علماء أصفهان إلى مدينة قمّ وتحصّنهم فيها، وتوسّع نطاق الاحتجاجات إلى بعض المحافظات الإيرانيّة الأخرى إثر اقرار قانون التجنيد الإلزامي، ووصول رسائل عديدة إلى مراجع النجف حول هذا الموضوع… أرسل الشاه رضا البهلوي حفيد صاحب الكفاية إلى النجف لتهدئة الأوضاع فيها، وتطييب خواطرهم، والحيلولة دون صدور أي موقف سلبي منهم، وأعني منه: الميرزا محمود، نجل الميزرا #مهدي الكفائي (1875ـ1946م)، حيث ساهم هذا الحفيد في كتابة التقارير تلو التقارير إلى البلاط الشاهنشاهي، في سبيل وأد أيّ موقف يتخذه مراجع الطائفة إزاء تلك السياسات، وقد وفّق لذلك كما يظهر واضحاً في الرسالة التي كتبها السيّد أبو الحسن الأصفهاني إلى الشيخ نور الأصفهاني، دعوني أترجم لكم جزءاً من تقرير كتبه الحفيد إلى وزير البلاط الشاهنشاهي تيمورتاش المتوفّى سنة: (1933م) في أثناء وصوله إلى النجف، ومنه تستكشفون عمق التغلغل الاستخباراتي الشاهنشاهي في المؤسّسة المرجعيّة في النجف الأشرف آنذاك، جاء فيه:
«… بعد التحيّة والدعاء: دخلت النجف في يوم السبت غرّة جمادي الثانية، والتقيت بأصحاب السماحة الأصفهاني والنائيني “دامت بركاتهما”… وقد عرضت في لقاء سريّ جمعني بهما ما ينبغي عرضه في خصوص أوضاع إيران، وقمت بحمد الله بأزالة القلق والشبهات الحاصلة في أذهانهم بسبب المفسدين، وبسبب زوار العتبات المقدّسة [يعني الإيرانيّين الذين كانوا يأتون إلى زيارة العتبات]، وقمت أيضاً بتكذيب الأخبار غير الحقيقيّة والسيئة التي لوّثت أذهانهم، والتي أُرسلت إليهم عن طريق المغرضين من مدينة قم وسائر المُدن الأخرى وبعبارات مختلفة، وبيّنت لهم كيف إن العناية والألطاف والمراحم المبذولة من جلالة الملك الشاهنشاهي الأعظم أرواحنا فداه [#كما في الرسالة] قد غمرت عموم المواطنين الإيرانيّين… ولله الحمد قد تمكّنت من إيقاف تحرّكاتهم ومقاصدهم التي كانوا ينوون القيام بها، والتي جهّزوها، ليرسلوها عن طريق وكلائهم؛ وقد أوضحت لهم حقيقة جميع التحرّكات غير الّلائقة التي قام بها علماء أصفهان الذين هاجروا إلى قمّ… كما إن قدوم خادمكم إلى النجف في هذا الوقت بالذات له من الفائدة أكبر مّما تتصوّرون؛ في سبيل قمع تحرّكات أعداء السلطنة العظيمة واستقلال الدولة، وأسال الله أن يوفّقني في تقديم ما يمكنني إنجازه… أمّا سماحة الوالد [أي الميرزا #مهدي الكفائي] فرغم اعتلال صحّته ومرضه، فهو يقوم بإنجاز المهامّ الملقاة على عاتقه ليلاً ونهاراً فوق ما تتصوّرن، ويتقدّم بالشكر لصاحب الجلالة “أيّده الله بنصره” على مراحمه وفتوّته… وإذا كانت هناك من أوامر أخرى أرجو إبلاغي السريع بها؛ بغية الامتثال لها، وفي الختام: أسأل الله تعالى أن يمنح سعادتكم دوام العمر والعزّة والعظمة…، محمود آية الله زاده الخراساني”. [ترجمة لما جاء في الوثيقة المنشورة في كتاب: مرجعيت در عرصه اجتماع وسياست، منظور الأجداد، ص139]، [يُتبع].


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...