إلى المشكّكين بجدوى الزّيارات المليونيّة!!

26 أكتوبر 2018
929
ميثاق العسر

#بهذه الكلمات عنون مرجع “حزب الفضيلة العراقيّ” الشّيخ محمّد اليعقوبي “حفظه الله” محاضرته وهو يخاطب حشوداً من زائريّ المحافظات الجنوبيّة في عامّ: “2012م”، أي بعد سنتين فقط من مهاجمته لزيارة الأربعين ووصف أكثر حضّارها بمرتكبي المحرّمات وتاركي الواجبات، ولكي نعرف سرّ هذه التّلوّنات علينا أن نترك المجال لسماحته ليحدّثنا عمّا يُريد إيصاله من خلال هذا […]


#بهذه الكلمات عنون مرجع “حزب الفضيلة العراقيّ” الشّيخ محمّد اليعقوبي “حفظه الله” محاضرته وهو يخاطب حشوداً من زائريّ المحافظات الجنوبيّة في عامّ: “2012م”، أي بعد سنتين فقط من مهاجمته لزيارة الأربعين ووصف أكثر حضّارها بمرتكبي المحرّمات وتاركي الواجبات، ولكي نعرف سرّ هذه التّلوّنات علينا أن نترك المجال لسماحته ليحدّثنا عمّا يُريد إيصاله من خلال هذا العنوان الّلافت حيث قال:
«يشكّك البعض بجدوى حضور الملايين في الزيارات كعاشوراء والأربعينيّة، ويناقش في صرف الأموال الطائلة لخدمة الزّوار وتوفير احتياجاتهم، وينطلق بعض هؤلاء من التأثّر بالأجندات الغربيّة التي لا تفقه الآثار المعنويّة لهذه الحركة المباركة على الفرد والمجتمع، فيجب أن نكون نحن على ثقة عالية بشريعتنا وشعائرنا التي باركها الشارع المقدّس». [في ثقافة الرّفض وإصلاح المجتمع: ص212].
#وهذه الطّريقة من مهاجمة الآخر واتّهامه بالتّأثّر بالغرب بل والعمالة أيضاً ليست جديدة على سماحته ومن ينتهج بنهجه أيضاً؛ فقد نقلنا لكم فيما سبق ووثّقنا أيضاً: إنّ جدّه المرحوم محمّد علي “الشّاعر المعروف” كان قد هاجم المرحوم علي الخاقاني صاحب شعراء الغريّ بنفس الطّريقة، واتّهمه جهاراً نهاراً بأنّه قد تقاضى أموالاً من الوهابيّة في سبيل نشره، وكيف كان فهذه أمور مؤسفة ينبغي على الجيل الجديد أن يتجاوزها ويذهب نحو الأفكار لنقدها، بعيداً عن النّوايا والشّخوص كما هو سائد.
وبعد أن اتّهم اليعقوبيّ ناقديّ الافراطيّة المؤسفة الّتي وصلت لها زيارة الأربعين بالتأثّر بالاجندات الغربيّة بادر لذكر إجابة يُردّدها كثير من الملقّنين، موظّفاً اصطلاحات حوزويّة بشكل خاطئ على طريقة النّقض والحلّ فقال:
#أمّا النّقض: «بما يصدر منهم هذه الأيّام بمناسبة الاحتفالات برأس السنة، حيث تسود العالم الغربي وغيره احتفالات صاخبة ومهرجانات والعاب نارية وسفرات من غرب الأرض إلى شرقها وشراء هدايا عمانوئيل وأمثالها من الممارسات التي تُصرف فيها مليارات الدولارات‏ بلا معنى عقلائي يمكن الاقتناع به إلّا تسويلات الشيطان والنّفس الأمّارة بالسوء من المتع والّلذات الوقتيّة الكاذبة، وكان الأجدر بهم صرف هذه المليارات على جياع أفريقيا وتنمية اقتصاديّات الدّول الفقيرة وإنشاء المشاريع المفيدة في الدول التي يتباكون على فقرها وابتلائها بالأمراض الفتّاكة والحروب والمشاكل الاجتماعيّة… فهؤلاء المعترضون ينطبق عليهم المثل المعروف بأنّه يرى القذّة في عين الغير ولا يرى الجمل في عينه» [المصدر السّابق نفسه].
#وبغضّ الطّرف عن تبرّعات اليعقوبي في ذكر مبرّرات من عنديّاته ولذّات زائلة لهذه الاحتفاليّات إلّا إنّ ما يبدو لي إنّه نسي أو غفل عن إنّ النّقض إنّما هو توسيع لدائرة الإشكال بإشكال من نفس دائرته لا من دائرة أخرى تبتعد عن مرام المستشكلين؛ أقول ذلك لأنّ هذه الممارسات الغربيّة والاحتفالات الّتي ذكرها لا تسوّق وتُفرض على النّاس بمعطيات دينيّة سماويّة وعن طريق عمائم سوداء أو بيضاء معروفة، وإنّما هي ممارسات بشريّة للتّرفيه والاستمتاع فقط، والعقلاء يختلفون في أحكامهم تجاهها تبعاً لمنطلقاتهم في رؤيتها وتقييمها، أمّا الصّرفيّات في زيارة الحسين بن عليّ “ع” بعرضها العريض فتسوّق من خلال عناوين دينيّة مذهبيّة معروفة، وإنّ من فعل كذا وكذا فله ديشليارات الدّرجات في جنّة الوعد الإلهيّ، وهذا هو الّذي يدعو النّقاد الدّاخليّين لتوجيه سهام نقدهم إليه؛ باعتبارها تمرّر على النّاس من خلال الدّين ومطلوبيّتها لخالقه، أمّا إذا كان تمريرها بنفس العناوين الّتي يمرّر بها مقيمو تلك الاحتفالات فلا كلام لهؤلاء النّقاد فيها أصلاً، واستغفال البسطاء بطرح أمثال هذه الأجوبة يضع علامات استفهام كثيرة ومؤسفة في نفس الوقت.
#انتقل اليعقوبيّ بعدها إلى ذكر الجواب الحلّي فذكر مجموعة أجوبة مكرّرة ومعروفة من قبيل: «إن التوجّه سيراً على الأقدام من مسافات بعيدة مع ما يرافقه من العناء والمشقّة فيه تعبير عن عميق المودّة والولاء للإمام “ع”… إنّ فيه إظهاراً لعظمة الإمام المقصود بما عظّمه الله تعالى كما سار الإمامان الحسن والحسين “ع” ماشيين إلى مكة المكرمة تعظيماً لبيت الله الحرام، إنّ فيها إدخالًا للسرور على قلب النبي “ص” وأهل بيته المعصومين “ع”…»، وما يهمّني من إجابته المكرّرة هو هذا الجواب حيث قال: إنّ هذه الزّيارة «وسيلة هداية للآخرين؛ فقد اهتدى بشعائر الحسين “ع” إلى الحقّ كثيرون وعادوا إلى الصّلاح والرّشد، في حين عجزت كل الوسائل عن إصلاحهم، وهذه من بركات الإمام الحسين “ع” فإنّه‏ مصباح هدى وسفينة نجاة». [في ثقافة الرّفض، اليعقوبيّ: ص215].
#وهنا من حقّنا ومن حقّك أيضاً أن نسأل اليعقوبي: إذا كانت الزّيارة فيها هذا الجانب من الهداية والصّلاح لمن عجزت كلّ الوسائل عن إصلاحهم فما بالك ذكرت قبل سنتين من تاريخ إلقاء هذا الكلام بل قبل صفحات من هذا الكلام: «تحوّل الكثير من المراسيم خصوصاً في زيارة الأربعين والشعبانيّة إلى ما يُشبه الفلكلور الشعبي الذي اعتادته كثير من الأمم ووضعت له برامج وفعاليات، من دون أن يستلهم معاني الثورة الحسينية، والأهداف التي سعى الإمام “ع” لتحقيقها وطالب الأجيال كلّها بنصرته في تحقيقها، بل إنّ الكثير من المشاركين مخالفون لتعاليم أهل البيت “ع” وتاركون للواجبات ومرتكبون للمحرمات…»؟! [في ثقافة الرّفض وإصلاح المجتمع: ص107].
#ولا أدري: إذا كان الكثير من مراسم هذه الزّيارات أصبح من قبيل احتفاليّات الأعياد وكأس العالم الغربيّة فلماذا جعلته نقضاً على المعترضين عليها؟! وإذا كان الكثير من المشاركين فيها تاركين للواجبات وفاعلين للمحرّمات فلماذا جعلت المشاركة في هذه الزّيارة هي الحلّ الأمثل لمن استعصيت هدايتهم؟! ولا أدري أيضاً لماذا لم تهد الزّيارة الأربعينيّة وغيرها سياسيّي العراق ومن يقف خلفهم من المعمّمين بعد أن عجزت كلّ وسائل الإصلاح في هدايتهم وإرجاعهم لوعيهم بعد أن فرضنا إنّ في صيغتها المعاصرة العصا السّحريّة لذلك؟!
#ليس لي جواب لهذه التّناقضات الرّهيبة ـ وغيرها الكثير ـ إلّا أن نذكّر اليعقوبي بمثله الّذي ذكره كجواب لهؤلاء النّاقدين؛ فهو يرى القذّة في عين الغير ولا يرى الجمل في عينه، وما هذه الممارسات إلّا تلوّنات نُصبت شراكاً للإيقاع بالشّباب الجامعي العراقي الطّيب، وما لم نحذّر منها ومّمّن يقف وراءها بفرض العقلانيّة والصّدق والأخلاق فسوف نواجه أزمة أكبر في قادم الأيّام، فتفطّن وإحذر، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...