أسانيد الصّدوق إلى الخطبة الفدكيّة في ميزان النّقد “1”

24 أغسطس 2018
1424
ميثاق العسر

#الحلقة_الأولى #ربّما يوسوس لك موسوس فيبادر لإقناعك بحقّانيّة نسبة الخطبة الفدكيّة أو الكبرى إلى السيّدة فاطمة الزّهراء “ع”، وإنّها ليست من وضع الجاحظ وأبي العيناء كما وثّقنا لك ذلك؛ وذلك لأنّها مرويّة بأسانيد تصل إلى رواة ثقات بالاتّفاق يتقدّمون زمنيّاً على الجاحظ وأبي العيناء، ومن باب المثال: أسانيد المرحوم الصّدوق نموذجاً، وهذا خير شاهد على […]


#الحلقة_الأولى
#ربّما يوسوس لك موسوس فيبادر لإقناعك بحقّانيّة نسبة الخطبة الفدكيّة أو الكبرى إلى السيّدة فاطمة الزّهراء “ع”، وإنّها ليست من وضع الجاحظ وأبي العيناء كما وثّقنا لك ذلك؛ وذلك لأنّها مرويّة بأسانيد تصل إلى رواة ثقات بالاتّفاق يتقدّمون زمنيّاً على الجاحظ وأبي العيناء، ومن باب المثال: أسانيد المرحوم الصّدوق نموذجاً، وهذا خير شاهد على عدم صحّة ما روي عن أبي العيناء من القول: لقد وضعت أنا والجاحظ حديث فدك فقبله جميع شيوخ بغداد إلّا أبن شيبة العلويّ!!
#وفي مقام إجابة هذه الوساوس المذهبيّة يحسن بي بداية أن أعرض لأسانيد الخطبة أو مقاطع منها كما أوردها المرحوم الصّدوق؛ لأعكف بعد ذلك على مناقشتها، وسيظهر لك بعد ذلك تلفيقها جميعاً ووقوعها في سياق كبرى تركيب الأسانيد وترتيبها الّتي أفضنا الكلام في عرضها سابقاً، وإنّ لا واقع حقيقيّ لهذه الأسانيد فضلاً عن انقطاعها، بل وجهالة جملة من رواتها عند جميع الاتّجاهات الإثني عشريّة.
#وبغية البرهنة على كلامنا علينا تفصيل الحديث في ذلك فنقول: لقد روى المرحوم الصّدوق ـ وهو المولود بعد ما يزيد على ربع قرن من وفاة أبي العيناء ـ مقاطع من الخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة للزّهراء “ع” بثلاثة أسانيد تنتهي إلى السيّدة زينب بنت عليّ “ع” ذات الخمس سنوات في لحظة إلقاء الخطبة، وفي هذا السّياق سنتناول الأسانيد الثّلاثة عرضاً ونقداً ضمن حلقات بحثيّة متسلسلة.
#أمّا السّند الأوّل فقد جاء في كتاب الفقيه بالنّحو الّتالي: «وروي عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمّد، عن جابر، عن زينب بنت عليّ “ع”، قالت: قالت فاطمة في خطبتها في معنى فدك…» [من لا يحضره الفقيه: ج3، ص576].
#لكنّ المرحوم الصّدوق حينما عاد وكتب في مشيخته طريقه إلى إسماعيل بن مهران أضاف لقب الخزاعي إلى أحمد بن محمّد، وغيّر جابر إلى محمّد بن جابر، وأضاف راوياً بين جابر وزينب اسمه عبّاد العامري، فجاء السّند بالشّكل التّالي: «وما كان فيه عن إسماعيل بن مهران من كلام فاطمة “ع” فقد رويته عن محمّد بن موسى بن المتوكّل “رض”، عن عليّ بن الحسين السعد آباديّ، عن أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمّد الخزاعيّ، عن محمّد بن جابر، عن عبّاد العامريّ، عن زينب بنت أمير المؤمنين “ع”، عن‏ فاطمة “ع”». [الفقيه: ج4، ص531، تحقيق: الغفاري؛ الفقيه، المشيخة: ج4، ص114، تحقيق: الخرسان].
#ولم تنتهِ إضافات المرحوم الصّدوق وتغييراته وغراباته إلى هذا الحدّ؛ فقد روى هذه المقاطع من الخطبة في كتابه العلل وبنفس السّند المتقدّم أيضاً، لكنّه أضاف إليه إضافات لافتة أيضاً؛ فحذف والد البرقي الّذي وسّطه بين ولده أحمد البرقي وإسماعيل بن مهران أوّلاً، وحذف أحمد بن محمّد الخزاعي الّذي توسّط بين إسماعيل بن مهران ومحمّد بن جابر ثانياً، كما حذف عبّاد العامريّ الّذي توسّط بين محمّد بن جابر وزينب “ع” أيضاً، فجاء السّند بالنّحو التّالي: «حدّثنا محمّد بن موسى المتوكّل “رض”، قال: حدّثنا: عليّ بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن إسماعيل بن مهران، عن أحمد بن محمّد بن جابر، عن زينب بنت علي، قالت: قالت فاطمة “ع” في خطبتها…» [علل الشّرائع: ج1، ص248].
#وسنحسن الظّن بالمرحوم الصّدوق مؤقّتاً ونحتمل مؤقّتاً أيضاً أن تكون بعض هذه الإضافات من التّصحيف، ولكنّ ـ وهذا ما يهمّنا فعلاً ـ الظّاهر إنّ الحذف الأوّل في سند العلل هو الصّحيح؛ وذلك لأنّ البرقي “الأبن” روى عن إسماعيل بن مهران كثيراً، ولم يرو عنه بتوسّط والده إلّا في ثلاثة موارد فقط ومنها هذا المورد الّذي ذكره الفقيه في مشيخته، ومن هنا احتمل جملة من المحقّقين وقوع التّصحيف في البين، وإنّ توسّط والد البرقي بين البرقي وإسماعيل بن مهران من خطأ النّسّاخ.
#وعلى أساس هذا التّصحيح الصّحيح أقول: يُعدّ البرقي “الإبن” من الطّبقة السّابعة والّذي توفّي كما هو المشهور في سنة: “274هـ” أو سنة: “280هـ” كما اختار بعضهم، لذا فمن الطّبيعي جدّاً أن تكون رواية البرقيّ لهذه الخطبة عن إسماعيل بن مهران مباشرة ـ إن سلّمنا بروايته ـ قد وقعت في سنّ كان البرقيّ “الأبن” فيه بعمر معقول لتحمّل الرّواية وكان ابن مهران في أواخر عمره مثلاً إذا قلنا إنّه من أبناء الطّبقة السّادسة، خصوصاً إذا جزمنا بحياة إسماعيل بن مهران إلى ما بعد سنة: “224هـ” بفترة لا بأس بها استناداً إلى رواية عليّ بن الحسن بن فضّال عنه؛ وذلك لأن ابن فضّال “الإبن” كان لا يستحلّ الرّواية عن والده المتوفّى في هذه السّنة أو قبيلها وهو في الثّامنة عشر من عمره، فمن الطّبيعي أن تكون روايته عن إبن مهران في مرحلة لاحقة لا بأس بها من الوقت، ومن ثمّ تكون رواية أحمد بن محمّد بن خالد البرقي عنه في وقت لاحق معقول أيضاً مع أخذ تاريخ وفاته بعين الاعتبار.
#ويتزايد مثل هذا الاحتمال إذا عطفنا الحديث نحو معرفة حال أحمد بن محمّد الخزاعيّ الّذي روى عنه إسماعيل بن مهران هذه المقاطع من الخطبة؛ فقد احتمل بعضهم ـ قبل أن يقرأ تفاصيل السّند كما جاءت في المشيخة ـ أنّ يكون المقصود من أحمد بن محمّد هو: أحمد بن محمّد البزنطي من رجالات الطّبقة السّادسة، لكنّ هذا الاحتمال يكذّبه تعيين الصّدوق له في المشيخة بالخزاعيّ؛ كما نصّ المجلسيّ “الأب” على إنّه ومحمّد بن جابر بن عبّاد العامري الّذي روى عنه من رجالات العامّة، وإنّ غرض إسماعيل بن مهران من رواية هذا الخبر عن طرقهم هو إثبات الّلعن على الشّيخين، كما إنّ اعتراض ابن الغضائريّ “الإبن” عليه إنّما هو بسبب النّقل عنهم، ليختم الكلام أخيراً بقوله: فالخبر قويّ؛ لاحتمال كونهما ثقتين، لكن لا نعرف حالهما!! [روضة المتّقين: ج14، 60].
#لكنّ الأردبيلي في جامع الرّواة نصّ على إنّ المقصود منه بقرينة ما جاء في المشيخة هو: أحمد بن محمّد بن زيد الخزاعيّ، والّذي أفاد الشّيخ في ترجمته بأنّه مات سنة: “262هـ”، [جامع الرّواة: ج1، ص65]، وهذا الاحتمال وإنّ كان لا ينسجم مع نظام الطّبقات عندهم لكنّه منسجم جدّاً مع الّلحظة الزّمانيّة لولادة الخطبة الفدكيّة أو الكبرى المنسوبة للسيّدة فاطمة “ع” في مرحلة الجاحظ وأبي العيناء، وإنّ أحمد بن محمّد الخزاعي قد تأثّر في نقله لها بالأجواء الّتي افتعلوها بين مشايخ بغداد.
#وعلى هذا الأساس: فحتّى لو سلّمنا بصحّة وسلامة واعتبار وواقعيّة السند الّذي ذكره الصّدوق حتّى إسماعيل بن مهران ولا نسلّم أيضاً، إلّا إنّه لا يمكن التّمسّك بفرض رواية إسماعيل بن مهران لهذه الخطبة على وجودها قبل مرحلة الجاحظ وأبي العيناء لكي يُدحض الاحتمال المؤكّد بكونهم الواضعين لها كما وثّقنا ذلك سلفاً؛ وذلك لما طرحناه من احتمالات مشفوعة بالتّوثيق والتّحليل، مع ملاحظة إنّ الجاحظ ولد في حوالي سنة: “160هـ”.
#لكن دعونا نترك الحديث عن الّلحظة الزّمانيّة لهذه الخطبة ونسأل: هل يمكن الرّكون إلى هذا السّند الّذي اعتمده الصّدوق ونجزم بكون الخطبة قد صدرت من السّيّدة فاطمة الزّهراء “ع” استناداً إلى هذا الطّريق؟!
#والجواب: كلّا وألف كلّا؛ وذلك لأنّنا حتّى لو صحّحنا هذا السّند إلى إسماعيل بن مهران بل وإلى أحمد بن محمّد الخزاعيّ أيضاً وفقاً للمقاييس الرّجاليّة، وآمنّا كلاميّاً أو رجاليّاً وفقهيّاً بصحّة وسلامة وجواز الاستناد إلى نقل صبيّة في الخامسة من عمرها مثل هذه الخطبة الطّويلة، ولكن الشّخص أو الشّخصين أو الثّلاثة ـ وهذه من غرابات الصّدوق ـ الّذين توسّطوا بين إسماعيل بن مهران أو أحمد بن محمّد الخزاعيّ وبين السّيّدة زينب بنت عليّ “ع” مجاهيل أو مهملين لا يعرفهم أحد، قال خاتمة المحدّثين النّوري في وصف هذا السّند كما جاء في الفقيه: «والسند إلى ابن مهران الثّقة لا عيب فيه، وأمّا الرّجلان الّلذان بعده [أو الثّلاثة] فغير مذكورين لا في رجال الخاصّة ولا ما بأيدينا من رجال العامّة، ولقلّة الحاجة إلى تصحيحه أعرضنا عن التّفحص عن حالهما». [خاتمة المستدرك، النّوري: ج22، ص169].
#وعلى هذا فكيف يمكن أن نجعل مثل هذه الأسانيد الخرافيّة ـ الّتي يركّبها المرحوم الصّدوق بأشكال متنوّعة في مجموع تراثه ـ عاملاً مساعداً في تكوين الاستفاضة أو التّواتر بغية غضّ الطّرف عن وثاقة رجال السّند؟! إن هذا إلّا إفك مذهبيّ مبين، والله من وراء القصد. [يُتبع].
#ميثاق_العسر
#خطوات_على_طريق_التّنوير


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...