آية القمل وشواهد القرآن البعدي!!

30 يناير 2021
296
ميثاق العسر

#يحسب سوادّ المسلمين عموماً أنّ القرآن بصيغته الحاليّة منعزل عن شخصيّة قناته الحصريّة الوحيدة الموصلة أو المصدّرة له وهو الرّسول، ولهذا وقعوا وسيقعون في أوهام كثيرة جدّاً تبعدهم عن الحقيقة بآلآف الأميال، فيحسبون أنّه بهذه الصّيغة نزل بزبيل سماوي مذهّب، ولم يكن هناك انصهار ما بينه وبين الرّسول الخارجي من حيث السّلوك وتغيّراته الخاضعة لعوامل […]


#يحسب سوادّ المسلمين عموماً أنّ القرآن بصيغته الحاليّة منعزل عن شخصيّة قناته الحصريّة الوحيدة الموصلة أو المصدّرة له وهو الرّسول، ولهذا وقعوا وسيقعون في أوهام كثيرة جدّاً تبعدهم عن الحقيقة بآلآف الأميال، فيحسبون أنّه بهذه الصّيغة نزل بزبيل سماوي مذهّب، ولم يكن هناك انصهار ما بينه وبين الرّسول الخارجي من حيث السّلوك وتغيّراته الخاضعة لعوامل نفسيّة وخارجيّة كثيرة.
#وإذا أردنا أن نقرّب المطلب أعلاه بمثال سنستعين بما نصطلح عليه آية القمل؛ حيث روى البخاريّ المتوفّى سنة: “256هـ” وغيره أيضاً، بالإسناد الصّحيح عندهم، عن كعب بن عجرة إنّه قال: «وقف عليّ رسول الله “ص” بالحديبية ورأسي يتهافت قملاً، فقال: “يؤذيك هوامك؟”، قلت: نعم، قال: “فاحلق رأسك، أو قال: احلق “، قال [ابن عجرة]: فيّ نزلت هذه الآية: “فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه” إلى آخرها [البقرة: ١٩٦]، فقال النّبي “ص”: “صم ثلاثة أيّام، أو تصدّق بفرق بين ستّة، أو انسك بما تيّسر”». [صحيح البخاري: ج3، ص28، ط دار التّأصيل].
#كما روى أصل القصّة أعلاه بالألفاظ نفسها تقريباً: الكلينيّ المتوفّى سنة: “329هـ”، والصّدوق المتوفّى: “381هـ”، والطّوسي المتوفّى: “460هـ” أيضاً، بالأسانيد الصّحيحة عندهم والصّحيحة والمعتبرة عند غيرهم، عن حريز عمّن أخبره، أو مُرسلاً، أو عن حريز عن الصّادق، قوله: «مرّ رسول الله “ص” على كعب بن عجرة والقمل يتناثر من رأسه وهو محرم، فقال له: أ تؤذيك هوامك؟ فقال: نعم. فأُنزلت هذه الآية: “فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسك”، فأمره رسول الله “ص” أن يحلق، وجعل الصّيام ثلاثة أيام، والصّدقة على ستة مساكين، لكلّ مسكين مدّين، والنّسك شاة…». [الكافي: ج4، ص358؛ الفقيه: ج2، ص358؛ تهذيب الأحكام: ج5، ص333].
#وهنا نسأل: ماذا لو لم يتناثر القمل من رأس هذا الصّحابي، وإنّما توجّع صحابيّ آخر من القمل الّذي في شعر إبطه مثلاً، فهل سيكون مشمولاً بأذى الرأس المبرِّر لحلق الشّعر انسياقاً مع حكاية العبرة بعموم الّلفظ لا خصوص السّبب؟! وماذا لو تأذّى من شعر بطنه مثلاً، فهل سيجوز له حلاقته وفقاً لعنوان المرض أم عنوان الأذى الّذي في الرّأس؟! ماذا عن شعر العارضين والشّارب والعانة لو سبّب أذى أو توافر فيه القمل؟! أ لم يكن بالإمكان صياغة الآية بعبارة تشمل المريض ومن به أذى في رأسه، بنحو بحيث يتمّ الاقتصار على مفردة الأذى الشّاملة للمرض وغيره مثلاً؟!
#هذا وغیره ممّا ذكرناه وما سنذكره يؤكّد على: أنّ القرآن الصّوتي كان يُعالج ظواهر آنيّة تتطلّب حلولاً عاجلة من قناته الحصريّة الموصلة أو المصدّرة له وهي الرّسول، ولم تكن جميع صياغاته وألفاظه الّتي من هذا القبيل ناظرة لعموم الحالات المطابقة والمشابهة في طول عمود الزّمان بالمُطلق، وإنّما حصل مثل هذا التلقّي ـ حتّى عند من كان في رأسه القمل ـ لاحقاً؛ وذلك بعد تحويل القرآن الصّوتي إلى قرآن مكتوب إثر بدعة قدّمها عمر بن الخطّاب، لكنّ من يتخيّل أنّ القرآن بصيغته الحاليّة معزول عن قناته الحصريّة الموصلة أو المصدّرة له ويفترض أنّ السّماء كانت مهتمّة ومكترثة بكتابته ودستوريّته الدّينيّة الدّائميّة، يقع في توهّمات كثيرة تفضي إلى إنكار الواضحات، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
 
 https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3508891679233131

تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...