آيات تشريع الصّوم: المحاولة والخطأ!!

30 أبريل 2021
215
ميثاق العسر

تدعيماً لاتّجاهنا الذّاهب إلى عدم اكتراث السّماء بتحويل القرآن الصّوتي إلى قرآن مكتوب فضلاً عن قصديّتها لتحويله إلى دستور دينيّ دائميّ، يحسن بنا استعراض الآيات الّتي شرّع من خلالها طقس الصّيام في يثرب؛ لنرى من خلالها الحيص بيص الشّديد الّذي وقع فيه أعلام المسلمين والمذهب في تفسيرها، والّذي سيكشف صحّة الاتّجاه المختار ويعمّق بيانه. جاء […]


تدعيماً لاتّجاهنا الذّاهب إلى عدم اكتراث السّماء بتحويل القرآن الصّوتي إلى قرآن مكتوب فضلاً عن قصديّتها لتحويله إلى دستور دينيّ دائميّ، يحسن بنا استعراض الآيات الّتي شرّع من خلالها طقس الصّيام في يثرب؛ لنرى من خلالها الحيص بيص الشّديد الّذي وقع فيه أعلام المسلمين والمذهب في تفسيرها، والّذي سيكشف صحّة الاتّجاه المختار ويعمّق بيانه.

جاء في الآيات: “183ـ 184ـ 185” من سورة البقرة ما يلي:

يا أيها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كُتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون”183″.

أيّاماً معدودات، فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيّام أُخر، وعلى الّذين يُطيقونه فديةٌ طعام مسكين، فمن تطوّع خيراً فهو خيرٌ له، وإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعملون”184″.

شهر رمضان الّذي أنزل فيه القرآن هدى للنّاس وبيّنات من الهُدى والفرقان، فمن شهد منكم الشّهر فليصمه، ومن كان مريضاً أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر، يُريد الله بكم اليُسر ولا يُريد بكم العسر، ولتكملوا العدّة، ولتُكبروا الله على ما هداكم، ولعلّكم تُشكرون”185″.

وفي المقدّمة علينا إيضاح الأصل المنهجيّ الّذي نتبنّاه؛ بغية إغلاق الطّريق أمام ما يلوح من اعتراضات مكرّرة ربّما تقف أمام ملاحظاتنا واستشكالاتنا وبياناتنا؛ فنحن لا نتعامل مع القرآن بنسخته الحاليّة معاملة النّسخة السّماويّة المعصومة من حيث جمعها وكتابتها وطريقة ترتيب آياتها وسورها بل ولا نؤمن بسماويّة وعصمة سياق الآية الواحدة نفسها، وإنّما نؤمن بأنّ الأصل ـ في عموم الأمور المذكورة آنفاً ـ بشريّتها وخضوعها لآليّات بدائيّة جدّاً نصّت عليها صحاح المسلمين، وللخروج عن هذا الأصل ينبغي أن تتوفّر شواهد مقنعة لا سيّما في الآيات الّتي لا تناسب فيما بين صدرها وعجزها.

وبعد وضوح هذا الأصل المنهجيّ السيّال، وقبل أن نبدأ بذكر كلمات أعلام المسلمين والمذهب في تفسيرها، يحسن بنا إجراء مقارنة مضمونيّة بين الآيات أعلاه وسنضعها في نقاط مقتضبة:

أوّلاً: ادّعت الآية “183” أنّ تشريع الصّيام على المؤمنين في المدينة لم يكن بدعاً من الأقوام السّالفة، وإنّما يأتي في سياق تشريعه على الأمم السّابقة عليهم.

ثانياً: نصّت الآية: “184” على أنّ الصّيام لا يتعدّى أيّاماً معدودات لا تتجاوز الثّلاثة بقرينة آية أيّام التّشريق وهي الآية: “203” من السّورة نفسها، وبقرينة ما روي من صوم الرّسول هذا المقدار من كلّ شهر في بداية دخوله للمدينة، بينما تحدّثت الآية “185” عن وجوب صوم جميع شهر رمضان، ولم يُعهد أن تُستعمل مفردة: “معدودات” في الشّهر بخصوصه أصلاً.

ثالثاً: تكرّر حكم المريض والمسافر في الآية “184” و “185” بالألفاظ والحروف نفسها، ولا يوجد فرق بينهما سوى في حرفي الفاء والواو.

رابعاً: خيّرت الآية “184” الإنسان السّليم بين الصّوم وبين دفع فدية ماليّة، وأفادت أنّ من تطوّع بالمال وصام في الوقت نفسه فهو خير.

خامساً: نقضت الآية “185”حكم التّخيير الّذي طرحته الآية “184” وعمل المسلمين به أيضاً لفترة الحول تقريباً، ونصّت على ضرورة الصّيام في جميع أيّام شهر رمضان، ومنحت المسافر والمريض خيار الإفطار والصّوم في أيّام أُخر.

وبعد هذا العرض المقتضب لمضامين الآيات أعلاه أقول: وقع الخلاف الشّديد بين صغار الصّحابة والتّابعين ومن لحقهم في الآية: “184”، فهل هي محكمة، أم مخصوصة، أم منسوخة كلّها أو بعضها، فذهب الجمهور إلى نسخها، واختلفوا بعد ذلك في بقاء شيء منها لم يُنسخ… وكيف كان فهناك تفاصيل واختلافات عديدة في هذه الجزئيّات لكنّ ما يهمّنا هو التّركيز على أصل نسخها وعدمه فنقول:

الرّاكز بين علماء الإسلام والمذهب اتّجاهان:

الأوّل: إنّ الآية: “185” نسخت حكم الآيات “184”، وبالتّالي: عيّنت مقدار الأيّام الّتي ينبغي صومها عدداً وزماناً بشهر رمضان، وأوجبت على الإنسان المعافى الصّيام ولم تترك له خيار دفع البدل المالي كما حملت الآية السّابقة، ولهذا قال الطّبري المتوفّى سنة: “310هـ” بعد استعراض الأقوال في الآيتين: «وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال:”وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين”، منسوخ بقول الله تعالى ذكره:”فمن شهد منكم الشهر فليصمه”». [تفسير الطّبري: ج3، ص178، ط هجر].

الثّاني: إنّ الآية “185” غير ناسخة لما قبلها، بل هي مفسّرة لها، وهو المرويّ عن ابن عبّاس وغيره، واختاره الباقر والصّادق أيضاً.

لكنّ المشكلة العميقة الّتي واجهت الاتّجاه الثّاني هي كيفيّة تفسير قوله: “وعلى الّذين يُطيقونه فديةٌ طعام مسكين”؛ فإذا كان وجوب الصّيام غير اختياريّ في الآيتين معاً فما هو معنى يطيقونه في المقام؟! من هنا اضطرّوا إلى تأويلات وتمحّلات عديدة لتجاوز هذه المحنة، حتّى عمد بعضهم إلى تقدير مفردة “لا” ليصحّ مختارهم، فقالوا: أنّ الأصل وعلى الّذين لا يطيقونه، والجميع كما ترى.

وبمعزل عن التمحّلات الّتي طرحها صاحب تفسير المنار وتبعه على ذلك المرحومان الطّباطبائي والخوئي في التّأويل التّعسّفي الشّديد لمعنى الإطاقة الّتي حملتها الآية: “184”، وبمعزل أيضاً عن قراءة: “يُطوَّقونه” والّتي قد يأتي عرضها وتوثيقها لاحقاً، لكنّا نؤكّد على: أنّ جميع هذه المشاكل والاضطرابات والتأويلات التعسّفيّة ما كانت لتقع لو كانت السّماء مهتمّة بكتابة القرآن ودستوريّته الدّينيّة الدّائميّة وبادرت بنفسها أو بإشرافها المباشر لذلك، ولكن حيث إنّ مثل هذا الأمر لم يقع فلم يجد أعلام المسلمين من حيلة غير الوقوع في شراك هذه المشاكل وأضرابها؛ لأنّهم يرون أمامهم نصّاً أقدم الصّحابة على جمعه بآليّات بدائيّة جدّاً فوضعوا يوميّات الرّسول القرآنيّة القائمة على أساس المحاولة والخطأ في تشريع هذه الطّقوس العباديّة في مكان واحد دون فرز بينها وبين دواعيها ومبرّراتها، وبالتّالي: فلم يجد الّلاحقون لهم من حيلة غير وصف هذا النصّ ـ بهذه الصّيغة وبهذه الهيئة ـ بالمقدّس النّازل من السّماء كدستور دينيّ دائميّ ولا بدّ من المصير لفهمه بشتّى الطّرق والوسائل، وإيجاد كلّ السُبل للحفاظ على اتّزانه واتّساقه ولو استلزم الأمر المصير إلى تمحّلات لم يُنزل العلم بها من سلطان، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.

https://www.facebook.com/jamkirann/posts/3760799310709032


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...