٣ـ علمُ المنطقِ ودوره في الاجتهادِ بين المثبتِ والنافي.

30 سبتمبر 2016
1248
ميثاق العسر

وقع الخلاف بين الفقهاء المسلمين حول شرطيّة دراسة علم المنطق لمن يريد الوصول إلى الاجتهاد، والذي يظهر من خلال المتابعة البسيطة اتّجاهان: الاتّجاه الأوّل: ما ذهب إليه ابن تيميّة والسيّد الخوئي وغيرهم أيضاً من إن دراسة علم المنطق غير لازمة ولا ضروريّة أصلاً لطالب الاجتهاد، وقد أقاموا عدّة أدلّة على مدّعاهم من قبيل: (أ‌) نصّ […]


وقع الخلاف بين الفقهاء المسلمين حول شرطيّة دراسة علم المنطق لمن يريد الوصول إلى الاجتهاد، والذي يظهر من خلال المتابعة البسيطة اتّجاهان:
الاتّجاه الأوّل: ما ذهب إليه ابن تيميّة والسيّد الخوئي وغيرهم أيضاً من إن دراسة علم المنطق غير لازمة ولا ضروريّة أصلاً لطالب الاجتهاد، وقد أقاموا عدّة أدلّة على مدّعاهم من قبيل:
(أ‌) نصّ ابن تيميّة (1328م) على: «إن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد»، وتبعه على ذلك السيّد الخوئي (1992م) حيث قال: «وأمّا علم المنطق فلا توقّف للاجتهاد عليه أصلاً؛… [فـ] إن الشروط التي لها دخل في الاستنتاج مما يعرفه كلّ عاقل حتى الصبيان… [وخلاصة القول: إن علم] المنطق إنما يحتوي على مجرد اصطلاحات علميّة لا تمسّها حاجة المجتهد بوجهٍ؛ إذ ليس العلم به مما له دخل في الاجتهاد بعد معرفة الأمور المعتبرة في الاستنتاج بالطبع».
(ب‌) ما طرحه ابن تيميّة أيضاً من: «إن أفضل هذه الأمّة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، عرفوا ما يجب عليهم وكَمُل علمهم وإيمانهم قبل أن يُعرف منطق اليونان، فكيف يقال: أنه لا يُوثق بالعلم أن لم يوزن به، أو يقال أن فطر بني آدم في الغالب لا تستقيم إلا به؟!»، وتبعه على ذلك السيّد الخوئي فقال: «والذي يوقفك على هذا [أي عدم الحاجة إلى علم المنطق]: ملاحظة أحوال الرواة وأصحاب الأئمة (ع)؛ لأنّهم كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من الكتاب والسنّة، من غير أن يتعلّموا علم المنطق، ويطّلعوا على مصطلحاته الحديثة».
الاتّجاه الثاني: إن دراسة المنطق ضروريّة ولازمة لمن يريد الاجتهاد، وقد اختار هذا القول أغلب الفقهاء الشيعة، وبعض علماء السنّة أيضاً، لكنّهم اختلفوا في المقدار الّلازم لدراسته؛ فقد ذهب الشهيد الثاني إلى كفاية: معرفة الأشكال الاقترانيّة والاستثنائيّة منه، وما يتوقّف عليه من المعاني المفردة وغيرها، ولا يُشترط الاستقصاء في ذلك، بل يُقتصر على المجزئ منه فقط، وما زاد على ذلك مجرّد تضييع للعمر وترجئة للوقت، ونصّ السيّد الخميني أيضاً وهو يعدّ العلوم الّلازم توفّرها لمن هو في طريق الاجتهاد على ضرورة: «تعلّم المنطق، بمقدار تشخيص الأقيسة، وترتيب الحدود، وتنظيم الإشكال… وتمييز عقيمها من غيرها، والمباحث الرائجة منه في نوع المحاورات؛ لئلا يقع في الخطأ لأجل إهمال بعض قواعده، وأما تفاصيل قواعده ودقائقه الغير الرائجة في لسان أهل المحاورة، فليست لازمة ولا يحتاج إليها في الاستنباط».
وفي آخر هذا السطور عليّ أن أنوّه إلى ما يلي:
حينما يتحدّث الفقهاء والأصوليّون عن علم المنطق، فيختار بعضهم ضرورته، ويميل آخرون إلى العكس، فهم يتحدّثون عن المنطق الصوري، وهو المنطق الذي بناه وشيّد أصوله ومفرداته: (أرسطوطاليس)، والذي حاول الإسلاميّون أسلمته بشتّى الطُرق لاحقاً، وهو المنطق الذي وقف جملة من الفلاسفة الأوربيين موقفاً مناوئاً له في القرون الخمسة الأخيرة، ووصفوه بالهراء، وانتقدوا صوره وموادّه انتقادات كثيرة، وفتحوا المجال أمام المنطق الاستقرائيّ، والسؤال الحريّ بالإجابة هو:
أين هو موضع المنطق الاستقرائي في الاجتهاد الحوزويّ المعاصر؟!
والجواب: إذا ما تجاوزنا المحاولات الكبيرة للسيّد محمد باقر الصدر في إدخال المنطق الاستقرائي كضرورة ملحّة في المعرفة والاجتهاد، وهي المحاولات التي تجاهلها عموم (الفقهاء) من طلّابه، فينبغي أن نعترف: إن الحوزة العلميّة على اختلاف مشاربها ـ إلا ما شذّ وندر ـ لا زالت وفيّة لليونان، وسيتّضح لنا مظاهر هذا الوفاء حين الحديث عن الفلسفة وضرورتها في الاجتهاد المعاصر، ونأمل من الجيل الحوزويّ الجديد أن يفعّل هذا المنطق في الدراسات الحوزويّة.
وفي الأخير: أأمل أن يتنبّه طلّاب الحوزة الجُدد إلى عدم إضاعة عمرهم في فهم نصوص الشمسيّة والمطالع وغيرها من الكتب المنطقيّة؛ تحت شمّاعة إن فهم هذه النصوص واحترافها، وقضاء السنوات الطويلة في دراستها، يُسهم في فهم النصوص القديمة، نعم عليهم أن يتقنوا النافع منها فقط، وعليهم أن يحاججوا من يريد إجبارهم على دراسة مثل هذه الكتب بنصوص الفقهاء وسيرتهم؛ فها هو المحدّث الجزائري (1691م) يحدثنا عن جماعة وصفهم بالثقات: «إن السيّد العاملي صاحب المدارك، وخاله الشيخ حسن بن الشهيد الثاني، كانا يدرسان في النجف الأشرف عند المقدّس الأردبيلي، فدرسا عنده من شرح الشمسيّة ما يتوقّف عليه الاجتهاد فقط، وهي دروس لا تتجاوز العشرة كما ينقل، وكان هناك جماعة من التلاميذ يهزأون على هذا النمط من القراءة، فقال لهم المقدّس الأردبيلي: لا تهزأوا بهما، فعن قليل يصلون إلى درجة الاجتهاد، وأحتاج أنا إلى أن آخذ تصديق اجتهاديّ منهم».
أجل؛ إذا ما أراد أحدٌ أن يتيقّن من صحّة كلام المقدّس الأردبيلي فعليه أن ينظر نظرة بسيطة إلى واقع بعض طلّاب الحوزة في النجف الأشرف وغيرها؛ حيث يدخل طالبان إلى الحوزة معاً، فتجد أحدهما قد وصل بعد فترة وجيزة إلى مراتب عالية في البحث والتدريس، وتجد الآخر لا زال يتأبّط حاشية ملا عبد الله وجملة من الكتب الحجريّة؛ وسبب ذلك بغض النظر عن اختلاف الاستعداد: هو استغلال طيبته الفكريّة من قبل بعض الدكاكين التي تريد أن تخصّ الاجتهاد الفقهي بطبقة خاصّة من البشر، ولله في خلقه شؤون.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...