ولادة المهدي “ع” ودليلّيّة النّاسور!!

9 مايو 2018
26
ميثاق العسر

#في سياق عرضه للرّوايات النّاصة والمتضمّنة والدّالة على مولد الصّاحب “ع” روى الكليني ـ صاحب أهمّ كتاب معتبر لدى الشّيعة الإثني عشريّة ـ رواية ظريفة بسنده عن راو مجهول اسمه: محمّد بن يوسف الشّاشي حيث قال: «خرج بي ناصور على مقعدتي فأريته الأطباء وأنفقت عليه مالاً، فقالوا: لا نعرف له دواء، فكتبت رقعة أسأل الدعاء، […]


#في سياق عرضه للرّوايات النّاصة والمتضمّنة والدّالة على مولد الصّاحب “ع” روى الكليني ـ صاحب أهمّ كتاب معتبر لدى الشّيعة الإثني عشريّة ـ رواية ظريفة بسنده عن راو مجهول اسمه: محمّد بن يوسف الشّاشي حيث قال: «خرج بي ناصور على مقعدتي فأريته الأطباء وأنفقت عليه مالاً، فقالوا: لا نعرف له دواء، فكتبت رقعة أسأل الدعاء، فوقع “ع” إليّ: “ألبسك الله العافية، وجعلك معنا في الدّنيا والآخرة” قال [صاحب النّاصور]: فما أتت عليّ جمعة حتى عوفيت، وصار مثل راحتي، فدعوت طبيباً من أصحابنا وأريته إيّاه، فقال: ما عرفنا لهذا [النّاصور] دواء» [الكافي: ج1، ص519].
#وفي مقام التّعليق على هذا النّمط من النّصوص الرّوائيّة بودّي أن أقدّم تعليقات عاجلة:
#الأوّل: المدّعى العامّ الّذي نسمعه من المحقّقين والمقلِّدين الإثني عشريّة: إنّ ولادة المهدي “ع” تقف وراءها أدلّة محكمة وشفّافة وجليّة وقادرة على إقناع الخصوم، لكنّنا حينما نراجع أمّهات الكتب الحديثيّة المعتبرة لدى الطّائفة الإثني عشريّة لا نجد تصديقاً لهذا المدّعى، بل نجد عموم الرّوايات المُساقة لإثبات ذلك هي من قبيل رواية النّاسور.
#الثّاني: أدرج المفيد هذه الرّواية في كتابه الإرشاد للإشارة إلى معاجز المهدي “ع” وبيّناته وآياته بعد إضافة مذهبيّة لها، وهذا يعني إنّ مخاطبي المفيد ـ وغيره أيضاً ـ في تلك المرحلة كان أفقهم بحدّ بحيث يستقبل إثبات عقيدة كبيرة بحجم المهدويّة الإثني عشريّة بمعجزة النّاسور، أمّا مخاطبونا في عصرنا الحالي فالأفق عندهم مختلف تماماً؛ ولا اعتقد إنّ عاقلاً يحترم وعيه سيقدمّ مثل هذه الرّواية لابنه إذا ما سأله عن الدّليل لإثبات ولادة المهدي “ع”؛ فهل سيقول له إنّ دليل ولادته كما أخبرنا الكليني والمفيد: شفاء ناسور راو مجهول لا يعرف علماء الشّيعة الإثني عشريّة حاله اسمه محمّد بن يوسف الشّاشي مثلاً؟!
#الثّالث: نصّ صاحب النّاسور على إنّه أرى ناسوره الأطباء وأنفق لأجل علاجه أموالاً وأخبروه بعدم وجود علاج لناسوره، وبعد أن دعا له المهدي “ع” شُفي تماماً ولم يبق له أثر، وعليه: فكيف دعا صاحب النّاسور طبيباً من أصحابه بعد شفاء ناسوره ليريه إيّاه ويخبره هذا الطّبيب بأنّه لم يعرف له دواء، أ لم يصبح مكان النّاسور كراحة يده؟! ومن هنا حار المحدّث الكاشاني في تفسير هذا التّناقض ونصّ قائلاً: “لعله أراد بالإراءة في الموضعين ما يعمّ الكشف والوصف، وإلّا فلا يستقيم آخر الحديث إلا بتكلّف‏” [الوافي: ج3، ص871]، ومن هنا أضاف المفيد وتبعه المجلسي إضافة مذهبيّة غير موجودة ـ ولا في أيّ نسخة من نسخ الكافي ـ لتصحيح التّهافت البيّن في هذه الرّواية، فقالاً على لسان الطّبيب في آخر الرّواية: “وما جاءتك العافية إلّا من قبل الله بغير احتساب‏” [الإرشاد: ج2، ص358].
#الرّابع: لا تقل لي إنّ هذه الرّواية ضعيفة السّند كما هو جواب بعض الببّغاوات الحوزويّة؛ فإنّنا كرّرنا مراراً إنّ الضّعف السّندي لهذه الرّوايات وفقاً للمقاييس الرّجاليّة المعاصرة لا ينفي إن تكون قويّة السّند عند رواتها وصانعيها أوّلاً، وإنّهم بأمثال هذه النّصوص قد ثبّتوا ومرّروا وركّزوا عقيدة المهدويّة بصيغتها الإلهيّة الإثني عشريّة ثانياً.
#وأخيراً: أسأل الله أن يوفّق الجيل الحوزويّ الجديد لعدم بناء مجده على أمثال هذه النّصوص، وأن يفكّر بعقله لا بأذنه، هو مولانا وإليه المصير.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...