ولادة المهدي “ع” والتّواتر المزعوم!!

#نوّهنا في مقال سابق حمل عنوان: [غنوصيّة بعض أصحاب الأئمّة في ميزان الرّاحل الشّهيد الصّدر] إلى الفكرة الرّائعة الّتي تداولتها بحوث المرحوم محمد باقر الصّدر باقتضاب وإيجاز دون أن تعمّم تطبيقاتها، أعني فكرة باطنيّة بعض المنتسبين لأهل البيت “ع” ورواة حديثهم، وسعيهم الحثيث لتأويل النّصوص القرآنيّة ولي عنقها بغية التّدليل على توجّهاتهم الافراطيّة… وانطلاقاً من هذه الكوّة الصّدريّة ـ إذا جاز هذا التّعبير ـ سنعطف الحديث نحو فكرة خاطئة يتمّ تداولها حتّى بين بعض الأوساط الحوزويّة للأسف الشّديد وهي: إنّ الأحاديث إذا كانت متواترة أو مستفيضة حول فكرة ما ـ كتنصيص الصّادق على إمامة ولده الكاظم “ع” أو ولادة المهدي “ع” بصيغتها الشّيعيّة المتداولة مثلاً ـ فلا حاجة للتّدقيق في رجال سندها حتّى لو كان رواة هذه الرّوايات من المجاهيل أو الضّعاف أو المعروفين بالاتّجاهات الباطنيّة أو غير ذلك؛ لأنّ هذا الأمر يشكّل بحساب الاحتمالات قرينة تضعّف احتمال كذبهم وتقوّي احتمال واقعيّة روايتهم…إلخ من بيانات متداولة؛ فإنّ هذا التّصور غير تامّ كقاعدة عامّة؛ وذلك:
#لأنّ دراسة أحوال رواة بعض الرّوايات وتاريخهم وسياقاتهم والعوامل الفكريّة والماليّة الّتي تحرّكهم تُسقط هذه الرّوايات بمجموعها عن الاعتبار وتفسد وهم التّواتر المدّعي، وهذا ما قرّره المرحوم محمد باقر الصّدر في لفتة رائعة منه في بحوثه الأصوليّة حيث قال بعد أن ميّز بين رواة الاتّجاه الرّسمي ورواة الاتّجاه الباطني:
#ومن هنا نحن ننبّه على مطلبٍ عامٍّ، وهو: أنّه في جملة من الموارد تنفعنا في مقام تقدير رواية الراوي وتقييمها مراجعة: [1] حال الراوي، [2] وتاريخه، [3] ومجموع ما نقله من الروايات؛ فقد ترى مثلاً عدداً كبيراً من أحاديث متّفقة على مضمون ما بحيث كان المفروض حصول العلم به بعنوان التّواتر، لكن تكشف بالفحص ظاهرة مشتركة عن حال رواتها تناسب الإيحاء المشترك بمضمون تلك الأحاديث، مما يسقطها عن درجة التّواتر المفيد للعلم؛ فالاطّلاع على خصوصيات الراوي وحاله ومزاجه، وما ينقل من سائر الروايات قد يدخل في عمليّة الاستنباط كعنصر من عناصر تقييم الرواية…». [مباحث الأصول: ج2، ق2: ص230].
#وبودّي أن أسأل دعاة التّواتر في قضيّة ولادة المهدي “ع” بصيغتها الشّيعيّة المتداولة ما يلي: هل راجعتم أحوال رواة الولادة ودرستم خصوصيّاتهم وأحوالهم وأمزجتهم ودوافعهم والعوامل المحيطة بهم وسياقاتهم الفكريّة والماليّة لكي تقرّروا موضوعيّة هذه الأخبار ونزاهتها، وترتّبوا بعد ذلك دعوى التّواتر من دون حاجة للبحث السّندي مثلاً؟! إذ من المعلوم إنّ ضمّ الخبر ذي الرّاوي الباطني أو المجهول أو المعلوم الهدف بروايته سلفاً إلى خبر آخر مثله هو من قبيل ضمّ الحجر إلى الحجر، ولا يُشكّل في حساب الاحتمالات قيمة تُذكر لكي نرفع اليد عن تطبيق شروط حجيّة الخبر المتعارفة عليه.
#اعتقد إنّنا بحاجة إلى درجة من الإنصاف والتّجرّد العقلاني بغية الإجابة على هذه السّؤال، وأحيّ المرحوم محمد باقر الصّدر على هذه الّلفتة الرّائعة جدّاً والّتي تعتبر باباً ينفتح منه ألف باب ويُغلق بها ألف باب أيضاً، وعلينا التّفكير مليّاً في صياغة براهين مذهبيّة جديدة لإثبات ولادته “ع” مباشرة لا أن نلجأ إلى ذلك عن طريق الالتزام والتّضمّن؛ فإنّ هذا الأمر أعمّ من المدّعى المهدويّ الشّيعي المتداول كما هو معروف، والله من وراء القصد.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...