ولادة الحسنين “ع” وأسماء المذهبيّة!!

10 مارس 2019
27
ميثاق العسر

#روى المرحوم الصّدوق بأسانيده الثّلاثة المعتبرة بمجموعها عند بعضهم، عن عليّ بن موسى الرّضا “ع”، عن آبائه “ع”، عن عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع”، إنّه قال: «حدّثتني أسماء بنت عميس، قالت: حدّثتني فاطمة “ع”: لمّا حملت بالحسن “ع” وولدته، جاء النّبي “ص” فقال: يا أسماء، هلمّي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها […]


#روى المرحوم الصّدوق بأسانيده الثّلاثة المعتبرة بمجموعها عند بعضهم، عن عليّ بن موسى الرّضا “ع”، عن آبائه “ع”، عن عليّ بن الحسين المعروف بالسجّاد “ع”، إنّه قال: «حدّثتني أسماء بنت عميس، قالت: حدّثتني فاطمة “ع”: لمّا حملت بالحسن “ع” وولدته، جاء النّبي “ص” فقال: يا أسماء، هلمّي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها النّبي “ص”، وأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في أُذنه اليُسرى، ثمّ قال لعليّ “ع”: بأيّ شيء سمّيت ابني؟ قال [عليّ “ع”]: ما كنت أسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت أحبّ أن أسمّيه حرباً، فقال النّبي “ص”: ولا أنا أسبق باسمه ربّي، ثمّ هبط جبرائيل “ع”، فقال: يا محمّد العليّ الأعلى يُقرئك السّلام ويقول: عليّ منك بمنزلة هارون من موسى ولا نبيّ بعدك، سمّ ابنك هذا باسم ابن هارون، فقال النّبيّ “ص”: وما اسم ابن هارون؟ قال [جبرائيل]: شبّر، قال النّبي “ص”: لساني عربيّ، قال جبرائيل “ع”: سمّه الحسن. قالت أسماء: فسمّاه الحسن..»، وهكذا تستمرّ الرّواية في نقل المشهد عينه في ولادة الحسين بن عليّ “ع” وحضور أسماء بنت عميس فيه “…إلخ، فراجع. [عيون أخبار الرّضا: ج2، ص49، ط مؤسّسة آل البيت].
#لكنّ الثّابت تاريخيّاً: إنّ اسماء بنت عميس كانت في الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب حتّى السّنة السّابعة من الهجرة يوم فتح خيبر، بينما كانت ولادة الحسنين “ع” في السّنة الثّانية والثّالثة أو الثّالثة والرّابعة هجريّة في المدينة، فكيف تمكّنت أسماء بنت عميس من رؤية هذا المشهد وهي في الحبشة؟!
#وتتزايد شناعة الإشكال أكثر حينما نقرأ نصّ الرّواية في المصدر الأصليّ لها وهو صحيفة الرّضا، وفي كتاب الأمالي لنجل الشّيخ الطّوسي، وفي نسخة كتاب العيون الّتي كان بحوزة شيخ المحدّثين الإثني عشريّة المجلسي المتوفّى سنة: “1110هـ”، وكما جاء في هامش بعض النّسخ الخطيّة لكتاب العيون المكتوبة في سنة: “1065هـ”، جاء في مطلعها: «عن الرضا، عن آبائه، عن علي بن الحسين “ع”، عن أسماء بنت عميس، قالت: قبّلت جدّتك فاطمة “ع” بالحسن و الحسين “ع”، فلمّا ولد الحسن “ع” جاء النّبيّ “ص” فقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء…» [صحيفة الر ّضا: ص73؛ أمالي الطّوسي: 367؛ بحار الأنوار: ج43، ص238]، وهذا يعني بوضوح تامّ: إنّ اسماء كانت هي القابلة للسيّدة فاطمة “ع” حين ولادتها للحسن والحسين “ع”، فكيف التّوفيق؟!
#وقد وجدت هذا الاعتراض الهادم للرّواية من رأس على هامش نسخة خطيّة من كتاب عيون أخبار الرّضا كُتبت بتاريخ التّاسع عشر من جمادي الثّاني لعام: “1065هـ”، وقد تنبّه له من المعاصرين المرحوم محمّد تقي الشّوشتري المتوفّى سنة: “1415هـ” أيضاً، لكنّه سعى جاهداً لإيجاد مخرج معقول لها من خلال ذكر مجموعة من الاحتمالات والإضافات الّتي هي أقرب إلى التّكلّفات منها إلى التّوجيهات؛ فافترض إنّ الُمراد من اسماء في الرّواية اسماء الانصاريّة وإنّ جعلها بنت عميس من تحريف النسّاخ، وحاول مرّة أخرى أن يفترض إنّها أسماء بنت أبي بكر ويضيف لها عبارات أخرى احتمل سقوطها، وسعى أيضاً إلى معالجة ما وجد في بداية الحوار من كون فاطمة “ع” قد قصّت الحكاية على أسماء بعد حدوثها، وكيفيّة انسجام ذلك مع الحوار الّذي دار بين أسماء والرّسول “ص” كما هو ظاهر الرّواية…إلخ من تكلّفات يمكن للمتابع العودة لرؤيتها في كتابه الأخبار الدّخيلة. [ج1، ص14].
#لكنّ المرحوم الشّوشتري عاد في مستدركاته وتحت عنوان آخر ليقرّر: إنّ «تضمّن خبر العيون أنّ أمير المؤمنين “ع” قال للنبيّ “ص” في ولادة كلّ من الحسن والحسين “ع”: “ما كنت لاسبقك باسمه وقد كنت أحبّ أن اسمّيه حرباً”، وجملة: “وقد كنت احبّ أن اسمّيه حرباً” في كلّ منهما أيضاً من زيادات الرّواة؛ ليحطّوا من مقام أمير المؤمنين “ع”؛ فإنّ قول مثل ذلك الكلام من طبايع أعراب الجاهليّة لا أمير المؤمنين “ع” الّذي كان كنفس النبيّ “ص” وقد خلقهما الله تعالى لسلم العالم، وأمّا قتلهما للمفسدين فلكونهم منكرين للسّلم». [المصدر السّابق: ج2، ص282].
#وبغضّ الطّرف عن توجيهات وتكلّفات المرحوم الشّوشتري آنفة الذّكر، لكن قد تسأل: تُرى ما هو سبب الإصرار على تصحيح أمثال هذه النّصوص الرّوائيّة والتّكلّف الكثير في ترقيعها مع إنّ أسانيدها مملوءة بالمجاهيل من حيث المبدأ والمنتهى وفي الوسط، فلم لا يُصار إلى رفضها بدل الانتقال من الأنسق صناعيّاً إلى المهلهل؟!
والجواب: إنّ المرحوم الصّدوق قد روى بهذه الأسانيد الثّلاثة جملة من الأساسات المذهبيّة وأبرزها حديث غضب فاطمة “ع”؛ فإذا ذهب ذاهب منهم إلى ضعف هذه النّصوص حتّى مع ضمّ بعضها إلى بعض فستتولّد لدينا مشكلة كبيرة يعرفها المعنيّون؛ فإنّ بعض الأساسات المذهبيّة وإن أمكن تمريرها عن طريق نصوص حديثيّة أخرى، لكنّ ثمّة أساسات أخرى يصعب تمريرها لعدم ورودها في مدوّنات أصحابنا بطُرق أخرى غير هذه الطُّرق كما هو الحال في حديث غضب فاطمة “ع”، من هنا تجد استقتال أصحابنا على تصحيحها رغم كلّ المشاكل السّنديّة والمضمونيّة الّتي فيها.
#والطّريف في البين إنّ الشّيخ آصف المحسني الّذي نصّ على اعتبار هذه الأسانيد بمجموعها رغم اعترافه بجهالة آحادها ادرج هذه الرّواية في كتابه معجم الأحاديث المعتبرة بصيغتها المنقولة في كتاب البحار والّتي تصرخ بأعلى صوتها في مخالفة للمسلّمات التّاريخيّة من عدم وجود أسماء في المدينة آنذاك، لكنّ المحسني لم يعلّق عليها ولم يتحفّظ أصلاً [معجم الأحاديث المعتبرة: ج2، ص212]، وهذا يعني بوضوح: إنّ الحقيقة هي آخر ما يبحث عنه جملة من أصحابنا المعاصرين، وإنّ الّذي يهمّهم هو تصحيح ما هو متداول مذهبيّاً ولو كلّف ذلك إلغاء العقول وتزييف الوعي؛ لأنّهم ربطوا دين النّاس بأمثال هذه السّفاسف المذهبيّة، ومن الطّبيعي أن يختلّ هذا الدّين بمجرّد زعزعتها، فتفطّن كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#غضب_فاطمة


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...