وقفة قصيرة مع غلاة كامل الزّيارات وأساطيره!!

18 سبتمبر 2018
1094
ميثاق العسر

#من يقرأ العبارة الّتي جاءت في مقدّمة “كامل الزّيارات” المشهور نسبته إلى ابن قولويه “الأبن” المتوفّى سنة: “368هـ” يجدها «واضحة الدّلالة على أنّه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلّا وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا» [معجم الخوئي:ج1، ص50]، ولا اختصاص لذلك بخصوص مشايخه المباشرين، وهذا ما فهمه جملة من الفقهاء والمراجع […]


#من يقرأ العبارة الّتي جاءت في مقدّمة “كامل الزّيارات” المشهور نسبته إلى ابن قولويه “الأبن” المتوفّى سنة: “368هـ” يجدها «واضحة الدّلالة على أنّه لا يروي في كتابه رواية عن المعصوم إلّا وقد وصلت إليه من جهة الثقات من أصحابنا» [معجم الخوئي:ج1، ص50]، ولا اختصاص لذلك بخصوص مشايخه المباشرين، وهذا ما فهمه جملة من الفقهاء والمراجع المعاصرين وفي طليعتهم المرحوم الخوئي في معظم أيّام حياته قبل أن يضطرّ في أُخريات حياته إلى تأويل عبارة ابن قولويه وتقليد المحدّث النّوري في دعوى اختصاصها بمشايخه المباشرين دون بقيّة الرّواة.
#وفي سياق المكانة الكبيرة الّتي أوجدت مؤخّراً لكتاب: “كامل الزّيارات” في الواقع الإثني عشريّ وخصوصاً في العقود الأخيرة ـ والّتي يتحمّل المرحوم الخوئي جزءاً كبيراً منها باعتبار عمر مرجعيّته العامّة والعليا ـ أجد من المناسب استعراض حال راوٍ من أهمّ رواة هذا الكتاب الّذي توزّعت رواياته على عدّة أبواب منه؛ علّني بذلك أوفّق إلى أن أنبّه الجيل الحوزويّ الجديد إلى المخاطر المذهبيّة الجمّة الكامنة في هذا الكتاب، وأحذّر في نفس الوقت الواعين من خطباء وشعراء المنبر الحسيني من مغبّة الانسياق العاطفي والمنبري وراء مرويّاته دون وعيّ لخلفيّاتها المذهبيّة ودواعي رواتها أيضاً، بأمل أن يوفّقني الله ويُنسئ الأجل لكتابة تعليقة على أسانيد هذا الكتاب في القادم من الأيّام أو السّنين إنّه نعم المولى ووليّ التّوفيق.
ثمّة راو بصريّ في كامل الزّيارات اسمه: عبد الله بن عبد الرّحمن الأصمّ المسمعي، وقد نصّ النّجاشي المتوفّى ـ كما هو المشهور ـ سنة: “450هـ” بالحرف الواحد على إنّه: «ضعيف؛ غالٍ؛ ليس بشيء»، وأفاد أيضاً إنّ له كتاباً يُسمّى: المزار، «وقد سمعت ممّن رآه ـ والكلام للنّجاشي ـ فقال له: هو تخليط» [النّجاشي: ص217]، والظّاهر: إنّ من سمع النّجاشي منه ذلك هو ابن الغضائريّ “الإبن”؛ إذ جاء في نسخة رجاله الواصل قوله في ترجمة الأصم: «ضعيف مرتفع القول، وله كتاب في الزيارات ما يدلّ على خبثٍ عظيمٍ ومذهبٍ متهافتٍ، و كان من كذّابة أهل البصرة». [مجمع الرّجال: ج4، ص25].
#ولا شكّ في إنّ مراجعة مرويّات هذا الرّاوي في كتاب “كامل الزّيارات” والّتي تجاوزت الخمس وعشرين رواية يجدها مليئة بالتّهافت والخبث والتّخليط كما أفاد الرّجاليّون، لكنّ مثل هذه النّتيجة لن تتأتّى دون خلع النّظارة الكربلائيّة المعاصرة والّتي أضحت مثل هذه المرويّات بالنّسبة لها من أبجديّات الفهم الكربلائي لواقعة كربلاء وضروريّاته والّتي يُكتب من يريد النّقاش فيها المروق عن المذهب، ومن باب التّذكير وإلفات النّظر نشير إلى نموذجين من رواياته:
#أوّلاً: «يا زرارة: إنّ السّماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدّم، وإنّ الأرض بكت أربعين صباحاً بالسّواد، وإنّ الشّمس بكت أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، وإنّ الجبال تقطّعت وانتثرت، وإنّ البحار تفجّرت، وإنّ الملائكة بكت أربعين صباحاً على الحسين ع، وما اختضبت منّا امرأة ولا ادّهنت ولا اكتحلت ولا رجّلت حتّى أتانا رأس عبيد الله بن زياد…». [كامل الزّيارات: ص81].
#ثانياً: «… أقبلت بعض عمّاته [أي الحسين “ع” قبل خروجه من المدينة] تبكي وتقول: أشهد يا حسين لقد سمعت الجنّ ناحت بنوحك وهم يقولون:
فإنّ قتيل الطّف من آل هاشم؛ أذلّ رقاباً من قريش فذّلت.
حبيب رسول الله لم يك فاحشاً؛ أبانت مصيبتك الأنوف وجلّت». [المصدر السّابق نفسه:96].
#وعلى هذا الأساس ولأجل الحفاظ على مصداقيّة ما جاء في مقدّمة كتاب كامل الزّيارات من اشتراط قد يرجح: ما اختاره بعض المحقّقين المعاصرين من فرضيّة إنّ كتاب كامل الزّيارات ـ والشّواهد على ذلك تحتاج إلى دراسة مستأنفة كما لوّحنا ـ ليس من تصنيف ابن قولويه مباشرة وإنّما هو لأحد تلامذته الّذي أنجزه بعد وفاته، جمعاً بين روايات أستاذه وروايات غيره أيضاً، والرّاجح إنّ هذا التّلميذ هو: الحسين بن أحمد البوشنجي، الرّاوي الحصري لكتاب كامل الزّيارات، والّذي صرّح في نفس الكتاب بأنّه عرض على أستاذه بعض الرّوايات لكي يُضيفها إلى كتابه فلم يحصل ذلك حتّى وافته المنيّة [ص260]؛ إذ لا يُعقل أن ينصّ ابن قولويه “الإبن” على عدم روايته إلّا عن طريق: «ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا “رحمهم الله برحمته”، ولا أخرجت فيه حديثاً روي عن الشُذّاذ من الرّجال… غير المعروفين بالرّواية المشهورين بالحديث والعلم…»، ومع هذا نجد مساحات كثيرة من كتابه مملوءة بالرّوايات عمّن ورد النّص الخاصّ بضعفهم وكذبهم فضلاً عن المجاهيل والمتروكين، ولهذا وقع جملة من الفقهاء والمراجع المعاصرين في حيص بيص شديد في فهم عبارته أدّى إلى تذبذب آرائهم وتبدّلها في فترات متقاربة جدّاً قياساً بعمرهم العملي، ولكن هل سيشهد المستقبل القريب ثورة علميّة من قبل الجيل الجديد على هذا التّراث ومروّجيه ليُعطى كلّ ذي حقّ حقّه، أم سيبقى نفس “الطّاس ونفس الحمّام” أيضاً، لست أدري، والله وليّ التّوفيق.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...