وصاية علم الكلام على التّراث والخيبة المذهبيّة!!

4 يونيو 2018
1245
ميثاق العسر

#يسعى أحد نزلاء النّجف المعاصرين من المتّصلين بأحد أعمدة المنهج الأخباري سببيّاً إلى إعادة الحياة بقوّة لهذا المنهج، وتمريره إيهاماً بلباس الصّناعة الفقهيّة الإصوليّة، ورغم القطيعة المعرفيّة الواضحة بين المنهجين لكنّنا نلحظ إصراراً منقطع النّظير منه على ذلك بطريقة غريبة تستند في مجملها إلى الحكايات والقصص والتّهويل والاندفاعات والاتّهامات، والمشكلة الأعمق: إنّ مستمعي هذه الطّروحات […]


#يسعى أحد نزلاء النّجف المعاصرين من المتّصلين بأحد أعمدة المنهج الأخباري سببيّاً إلى إعادة الحياة بقوّة لهذا المنهج، وتمريره إيهاماً بلباس الصّناعة الفقهيّة الإصوليّة، ورغم القطيعة المعرفيّة الواضحة بين المنهجين لكنّنا نلحظ إصراراً منقطع النّظير منه على ذلك بطريقة غريبة تستند في مجملها إلى الحكايات والقصص والتّهويل والاندفاعات والاتّهامات، والمشكلة الأعمق: إنّ مستمعي هذه الطّروحات ومروّجيها هم من طلّاب الحوزة النّجفيّة، وهي حوزة عُرفت بمواقفها الحادّة من المنهج الأخباري، وهذا من المفارقات.
#ولعلّ أهمّ ركيزة يسعى هذا المعاصر جاهداً لتثبيتها هي: فرض وصاية علم الكلام ومقولاته المذهبيّة الغارقة في الغلوّ على تقييم صدور الرّوايات ووثاقة رجالها؛ فهو يريد أن يصنّف توثيقات وتضعيفات علماء الرّجال المتقدّمين على أساس إنّها لا تنطلق من حسّ ومعرفة موضوعيّة، بل هي حاصل اجتهادهم وأفقهم ونظرتهم وفهمهم للإمام وشخصه [وهي نقطة سنتحدّث عنها لاحقاً]، وحيث إنّ العصر الصّفوي وما بعده شهد تطوّرات هائلة في فهم الإمام، بل أُدخلت بعد ذلك قواعد ما يُصطلح عليه بالعرفان والفلسفة الإسلاميّة في التّنظير لذلك، فينبغي التّصديق حينذاك بجميع ذلك التّراث الّذي رمي بعضه بالضّعف والمجعوليّة؛ وذلك لأنّه ينسجم تمام الانسجام مع هذا المستوى الّذي وصلت إليه هذه العلوم!! ولم يكتف هذا المعاصر الأخباريّ بذلك، بل رمى جملة من العلماء المتخصّصين في علم الرّجال المتقدّمين والمعاصرين وأبرزهم المرحوم محمّد تقي الشّوشتري بالجهل وعدم الفهم في علم الكلام وعدم الدّراسة والتّحصيل، وادّعى إنّ هذا هو الّذي آل بهم إلى إسقاط جملة من موروثنا الرّوائي؛ لأنّهم جهلة في علم الكلام!!
#وبودّي أن أعلّق على مثل هذه التّمحّلات بشكل سريع وعاجل فأقول: منذ سنوات ونحن نكتب وننتقد المقولات الكلاميّة وإنّها السّبب الأساس وراء كلّ مصائبنا، وذهبنا إلى إنّ جملة من هذه المقولات هي نتاج تجاذبات بعض الرّواة وطموحاتهم من أجل إثبات الذّات في أيّام صناعة المذاهب في أوائل القرن الثّاني الهجري، وهكذا تطوّرت هذه المقولات ليحترف جملة من دعاتها واتباعها لاحقاً مهنة صناعة وهندسة الأدلّة الرّوائيّة وما يُسمّى بالأدلّة العقليّة في سبيل تثبيت تلك المقولات، وهو ما اصطلحنا عليه بأدلّة ما بعد الوقوع؛ وعلى هذا الأساس فما لم نتّفق على مرجعيّة صحيحة ومتسالم عليها في رتبة سابقة تميّز لنا الأصيل من الدّخيل في موروثنا الرّوائي فلا يمكن أن نصدّق بمجموع هذا التّراث لمجرّد انسجامه مع هذه المقولات الكلاميّة الواصلة؛ لأن المفروض إنّ هذه المقولات الكلاميّة مستندة في أصل وجودها على نفس هذا التّراث فكيف يمكن أن يصار إليها لإثبات صحّته؟!
#كما لا يمكن أن يُكتفى بصرف انسجام هذا الموروث مع محكمات القرآن والسُنّة الصّحيحة أيضاً لإثبات صحّة صدوره؛ وذلك لأنّ هذا الاكتفاء مبنيّ على فرضيّة إنّنا أثبتنا في رتبة سابقة إنّ الوضّاعين جهلة بمحكمات القرآن والسُنّة الصحيحة، وإذا ما أرادوا أن يضعوا حديثاً فسوف يضعونه بنحو لا ينسجم معها، وبمحض الاحتكام إلى هذه المحكمات والصّحاح فسوف نتكشّف صنيعتهم، لكنّ هذا الكلام ساذج جدّاً؛ فإنّ في الوضّاعين من يجيد الوضع بطريقة بحيث لا يستطيع أحد اكتشاف وضعه؛ هذا نظير ما إذا طلبت من فقيه أو محدّث أن يضع لك حديثاً لإثبات مسألة فقهيّة أو مقولة عقائديّة، وبدهيّ إنّ اكتشاف ذلك متعسّر بل متعذّر.
#ومن هنا توجّب علينا المصير إلى آليّة محايدة لاكتشاف صحّة صدور هذا التّراث أو آليّة لإثبات حجيّته، ومن هنا اختار مشهور الفقهاء المتأخّرين ومتأخّري المتأخّرين والمعاصرين آليّة الصحّة والسّقم السّندي لاكتشاف ذلك كما هو مقرّر في محلّه، ورغم التّحفّظ الّذي نبديه في الانتقائيّة في ممارستها، ومساعي فرض الوصاية المذهبيّة عليها، بل وعلى أصل مرتكزاها، إلّا إنّها آليّة معقولة لا ينبغي التّفريط بها كما يسعى الأخباريّون والصّفويّون الجُدد، والله من وراء القصد. [يُتبع].
#المهدويّة_الإثنا_عشريّة
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...