هل يمكن لآية الحفظ نفي التّحريف؟!

13 يونيو 2019
143
ميثاق العسر

#ثمّة استدلال شهير يركن إليه النّافون لتحريف القرآن الكريم يرتكز على ما يصطلحون عليه بآية الحفظ، وهي الآية التّاسعة من سورة الحجر في القرآن المتداول القائلة: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون»، بتقريب: إنّ السّماء قد تكفّلت بحفظ القرآن من أيّ نوع من أنواع التّحريف، «وإنّ الأيدي الجائرة لن تتمكّن من التّلاعب فيه». [البيان […]


#ثمّة استدلال شهير يركن إليه النّافون لتحريف القرآن الكريم يرتكز على ما يصطلحون عليه بآية الحفظ، وهي الآية التّاسعة من سورة الحجر في القرآن المتداول القائلة: «إنّا نحن نزّلنا الذّكر وإنّا له لحافظون»، بتقريب: إنّ السّماء قد تكفّلت بحفظ القرآن من أيّ نوع من أنواع التّحريف، «وإنّ الأيدي الجائرة لن تتمكّن من التّلاعب فيه». [البيان في تفسير القرآن، الخوئي: ص226، ط النّجف].
#وهذا الاستدلال تقف أمامه مشكلة معرفيّة هامّة جدّاً وهي: كيف يمكن الرّكون إلى إثبات تماميّة الشّيء وحفظه من خلال أحد أجزاء الشّيء نفسه والمفروض أنّ الإشكال شامل له أيضاً، وهي إشكاليّة مستحكمة لم يستطع حتّى المتصلّبون في دعوى عدم وجود التّحريف من تجاوزها، لكنّنا سنغمض الطّرف عنها مؤقّتاً، ونحاول أن نعالج الإشكال بطريقة مهنيّة تستعين بكلمات المحقّقين من العلماء القائلين بالتّحريف ولو بمعنى النّقص والتّصحيف دون ابتسار؛ بغية إغلاق البحث في الاستدلال بهذه الآية على نفي التّحريف ولو بالمعنى الّذي ذكرناه ووضع نهاية معقولة للوساوس المنبثقة من هنا وهناك، والّتي تعوم على السّطح كثيراً ولا تريد أن تذهب صوب الحقيقة.
#أجاب المرحوم المحدّث النّوري المتوفّى سنة: “1320هـ” في كتابه المغمور الّذي ظُلم مصنّفه بسببه كثيراً أعني: “فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب” عن أصل الاستدلال بهذه الآية مفصّلاً، وسنحاول طرح إجابته على شكل نقاط مع إيضاح منّا لها أيضاً:
#الأولى: لا شكّ في إنّ من راجع استخدامات القرآن لمفردة الذّكر يجدها من قسم المتشابهات، وقد أجمعت «الأمّة على عدم جواز التّمسّك بمتشابهات القرآن إلّا بعد ورود النّصّ الصّريح في بيان المُراد منها، ولا شكّ أنّ المشترك الّلفظيّ: إذا لم يكن معه قرينة تعيّن بعض أفراده، و[المشترك] المعنويّ: إذا علم عدم إرادة القدر المشترك منها بل أراد منه أحد أفراده ولم يقترن بما يعيّنه، [أقول: إذا كانا كذلك فهما] من أقسام المتشابهات، و “الذّكر” قد أطلق في القرآن كثيراً على رسول الله “ص”، ومن الجايز أن يكون هو المراد منه هنا أيضاً، ويكون سبيل تلك الآية سبيل قوله تعالى: “والله يعصمك من النّاس”»، ومع ورود مثل هذا الاحتمال المعقول فيبطل الاستدلال بهذه الآية على نفي التّحريف.
#الثّانية: ربّما يُقال كما قيل أيضاً: إنّ ذكر الإنزال في آية الحفظ قرينة على كون المُراد منه القرآن، لكنّ هذا الاحتمال لا معيّن له أيضاً؛ وذلك لقوله تعالى أيضاً: «إنا أنزلنا إليك ذكراً رسولاً…»، وبالتّالي: فما المانع من رجوع الضّمير إليه “ص” كما نقله الطّبرسي عن بعض المفسّرين؟!
#الثّالثة: إنّ حفظ معاني القرآن ومداليله عن تطرّق شبه المعاندين هو غير حفظ كلماته وآياته عن تحريف الجاهلين وإسقاط الجامعين، والإيمان بتحقّق الأوّل ولو من خلال العودة إلى العترة “ع” لا يُلازم الثّاني، ودعوى وجود جامع مشترك بين الحفظين بعيدة تحتاج إلى تكلّف ومؤونة لا شاهد عليها.
#الرّابعة: آية الحفظ مكيّة، والّلفظ فيها واردة بصيغة الماضي، وقد نزل بعدها سور وآيات كثيرة، فلا تدلّ على حفظ الآيات والسّور المتأخّرة عنها حتّى لو سلّمنا دلالة هذه الآية على الحفظ بمعنى حفظ الكلمات والآيات عن تحريف الجاهلين وإسقاط الجامعين.
#الخامسة: الحفظ عند محمّد وآل محمّد “ص” يكفي لتحقّق مفهوم الآية، ومعه لا مانع من تغيّره عند غيرهم، كما لا مانع من حفظه عند بعضهم تغيّره عند آخرين أيضاً.
#السّادسة: ما يُقال إنّ عدم تغيّر القرآن عنده تعالى كافٍ حتّى وإن تغيّر عند الأئمّة “ع” كلام غير سديد؛ وذلك لأنّ فرض التّغيّر عندهم كفرض عدم إمامتهم “ع”؛ إذ عمدة أدلّة الاحتياج إليهم احتياج ما جاء به النّبي “ع” إلى حافظ يحفظه بعده، ويتمكّن الأمّة من الرّجوع إليه عند الحاجة، وعمدة ما جاء به “ص” القرآن، فكيف يجوّز تغيّره عندهم؟!
#السّابعة: «إنّ عدم تغيّره عند الله تعالى لا يغني مع تغيّره عندهم؛ لعدم السّبيل لأحد وإن أخلص في العبوديّة إليه تعالى، فتنتفي حينئذ الفائدة من وجوده، ولا يتمّ الحجّة على عباده، بخلاف ما لو كان عندهم محفوظاً وإن تغيّر عند غيرهم؛ لوجود السّبيل إليهم إليه وإن سدّوه بفعالهم». [فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب، ط حجريّة].
#وكنت أتمنّى على المرحوم الخوئي”المفسِّر” المتوفّى سنة: “1413هـ” أن يذكر هذه الاستدلالات والبيانات ويُجيب عنها بمهنيّة وصناعة كما هي طريقته في بحوثه الفقهيّة والأصوليّة، لكنّه أغفلها وكأنّه افترض عدم وجودها أو عدم اطّلاعه عليها بالمرّة؛ فاتّهم القائلين بنفي دلالة هذه الآية على نفي التّحريف بممارستهم التأويل، وقد نسي “رحمه الله” نفسه كيف أوّل الرّوايات الصّريحة في وقوع التّحريف في القرآن ولو بمعنى النّقيصة والتّصحيف والصّحيحة حتّى على مبانيه الرّجاليّة تأويلاً تعسّفياً لا تقبله لا الّلغة العربيّة ولا ناطقيها انسياقاً مع قبليّات كلاميّة وتصوّرات صناعيّة غير سليمة.
#وفي سياق ما قدّمناه: جزم المرحوم الخوئي بأنّ “الذّكر” في آية الحفظ هو القرآن؛ وذلك ـ والكلام لا زال للمرحوم الخوئي ـ لأنّها مسبوقة بقوله تعالى: «وقالوا: يا أيّها الّذي نُزّل عليه الذّكر إنّك لمجنون»، وبالتّالي: فهذه قرينة على أنّ المُراد من الذّكر في آية الحفظ هو القرآن لا الرّسول كما تأوّل المتأوّلون. [البيان، مصدر سابق: ص226].
#وهذا الاستدلال من المرحوم الخوئي غريب في بابه؛ وذلك: لأنّ القائلين بالتّحريف ولو بمعنى النّقص والتّصحيف لا يؤمنون بمعصوميّة ترتيب الآيات القرآنيّة فضلاً عن السّور لكي يُستدلّ بالسّياق القرآني لتعيين المُراد من الذّكر في آية الحفظ خصوصاً وإنّ القرينة المُدّعاة هي الآية السّادسة وما يُراد تعين معناه في الآية التّاسعة، وبالتّالي: فتكون مفردة “الذّكر” من المتشابهات القرآنيّة الّتي لا يمكن الرّكون إلى تعيينها بأمثال هذه التّمحلّات فضلاً عن دعوى دلالتها على الحفظ بمعنى صيانة الكلمات والآيات، ومن قرأ كلمات المحدّث النّوري المتقدّمة سيجد إجابة جميع الاعتراضات المذكورة باسم المرحوم الخوئي في كتاب البيان بوضوح، والّتي نُقل معظمها في تفسير البيان من المرحوم محسن الأعرجي البغدادي المتوفّى سنة: “1227هـ” في شرحه للوافية دون أن يشار إلى ذلك، مع أنّ النّوري كان ناظراً إليها في ردّه ومصرّحاً بها وبألفاظها أيضاً.
#والظّاهر: إنّ المرحوم الخوئي تنبّه إلى ضعف استدلاله بهذه الآية لإثبات عدم وقوع التّحريف، فعاد في نهاية عرضه ليذكّر بالإشكال المنطقيّ المعرفيّ الهامّ الّذي لوّحنا إليه في صدر المقال والّذي يتلخّص في: إنّ الاستدلال بهذه الآية على عدم التّحريف لازمه الدّور، واصفاً إيّاه بالشّبهة، قائلاً: إنّ هذه الشّبهة إنّما تأتي على من عزل العترة “ع” عن الخلافة الإلهيّة، ولم يعتمد على أقوالهم و أفعالهم، وفي هذا الحال لا يسعه دفعها والإجابة عنها، «أمّا من يرى أنهم حجج الله على خلقه، وأنّهم قرناء الكتاب في وجوب التّمسك، فلا ترد عليه هذه الشبهة؛ لأنّ استدلال العترة بالكتاب وتقرير أصحابهم عليه يكشف عن حجية الكتاب الموجود وإن قيل بتحريفه، غاية الأمر أن حجيّة الكتاب على القول بالتحريف تكون متوقفة على إمضائهم». [البيان في تفسير القرآن: ص228، ط النّجف]، وهل يُريد القائلون بالتّحريف بمعنى النّقيصة والتّصحيف غير هذا المعنى الّذي أعاد المرحوم الخوئي تكراره دون استعراض كلمات كبار المحقّقين الأصوليّين والأخباريّين في بيانه وتقريره؟!
#إن قلت: إنّ المتّفق عليه بين الأصحاب هو إنّ ما بين الدّفتين لا زيادة فيه أصلاً، وعليه: فإنّ آية: “إنا نحن نزلنا الذّكر وإنّا له لحافظون” متّفق على قرآنيّتها، فلِمَ لا يمكن الرّكون إليها لنفي التّحريف بمعناه العام؟!
#قلت: إنّ هذه الآية وإن كان هناك اتّفاق على قرآنيّتها، لكن الاستشهاد بها فرع الاتّفاق على عدم تصحيفها بمعنى تقديمها وتأخيرها ووضعها في سياق غيرها، وفرع كون الذّكر فيها تعني القرآن، وهذا ما لم يتّفق عليه القائلون بالتّحريف بمعنى النّقيصة والتّصحيف؛ كما عدّوا مفردة الذّكر الواردة فيها من المتشابهات الّتي لا يمكن تعيينها.
#فتحصّل ممّا تقدّم: إنّ الاستدلال بآية: “إنّا نحن نزلنا الذّكر وإنّا له لحافظون” لنفي تحريف القرآن بمعنى النّقص والتّصحيف في غاية الوهن؛ لأنّ “الذّكر” الوارد فيها من المتشابهات الّتي لا يجوز التّمسّك بها دون ورود النّصّ الصّريح في بيان مقصودها وهو مفقود في المقام، أمّا إذا قلنا ـ كما احتمل الميرزا القمّي ـ إنّ “حافظون” تعني “عالمون” فالاستدلال سيسقط من رأس حينذاك، فليُتأمّل كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر
#تحريف_القرآن


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...