هل كتب العسكري “ع” رسالة إلى والد الصّدوق؟!

#يُروى: إنّ الإمام العسكريّ “ع” كتب إلى والد المحدّث الصّدوق رسالة جاء فيها ما خلاصته: «أما بعد: أوصيك يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن الحسين بن بابِويه القمّي “وفّقك الله لمرضاته”، وجعل من ولدك أولاداً صالحين برحمته: [أوصيك] بتقوى الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة… وأمر جميع شيعتي بما أمرتك به حتّى يعملوا عليه، وعليك بالصبر وانتظار الفرج؛ فإنّ النبي “ص” قال: أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، ولا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشّر به النّبي “ص” حيث قال: “إنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً”، فأصبر يا شيخي ومعتمدي أبا الحسن، وأمر جميع شيعتي بالصّبر؛ فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء والعاقبة للمتقين. والسلام عليك، وعلى جميع شيعتنا، ورحمة الله وبركاته…» [لؤلؤة البحرين: ص384، ومصادر كثيرة أخرى].
#ومن يقرأ مفردات: شيخي وفقيهي وأخواتها وسياق ولحن الكلام يعرف إنّ عمر ابن بابِويه “الأب” حين صدور هذه الرّسالة كان أكبر من عمر الإمام العسكري “ع” بفارق كبير بحيث يستساغ استعمال مثل هذه المفردات من قبل الإمام “ع” كما هو واضح… وإذا عرفنا إنّ العسكريّ “ع” قد رحل من هذه الدّنيا في عامّ: “260هـ” وهو في عمر الثّامنة والعشرين ربيعاً فقط، وافترضنا جدلاً إنّ الرّسالة أعلاه قد كتبت في نفس سنة رحيله “ع”، وافترضنا جدلاً أيضاً ـ وأكرّر جدلاً ـ إنّ عمر ابن بابِويه “الأب” حينها كان ثلاثين سنة فقط لا أكثر، فسيكون عمره في سنة: “305هـ” خمسة وسبعين سنة لا غير.
#لكنّ هذه الفرضيّة ستواجه مشكلة أعمق؛ إذ من المعلوم إنّ الولد الأكبر لابن بابِويه الأب ـ وهو المعروف بالشّيخ الصّدوق ـ قد ولد في سنة: “306هـ” تقريباً، وولد بعده ولدين وأكثر أيضاً انسياقاً مع دعاء الحجّة “ع” له بذلك على اختلاف مرويّاته… لكن لماذا لم يكتف ابن بابويِه “الأب” بدعاء العسكري “ع” له بأن يرزقه الله أولاداً صالحين كما جاء في نصّ هذه الرّسالة وهو شيخ حينها وأمر عدم وجود خلف له ظاهر، ويطلب من السّفير الثّالث ـ كما يُصطلح ـ بعد خمسين سنة حسب فرضيّتنا أن يكلّم الحجّة “ع” ليدعو له كي يُرزق ولداً فقيهاً أو ولدين؟!
#اعتقد إنّنا بحاجة إلى إكمال النّقولات الأخرى المرتبطة بطريقة ولادة المحدّث الصّدوق في عام: “306هـ” تقريباً لنكتشف مفارقات أكبر إذا ما قارنّاها بنفس هذه الرّسالة بل وبنفس هذه النّقولات أيضاً، ولكن حيث إنّ النّشر في شبكات التّواصل مبنيّ على الاختصار اضطررنا إلى تأجيل الموضوع إلى حلقة قادمة والاكتفاء بهذا العصف الذّهني؛ لذا نتمنّى عدم استباق الأحداث ونشر شيء في هذا الخصوص، والاقتصار في النّقد والملاحظة على هذه الرّسالة أو التّوقيع كما يُصطلح عليه… #والغريب: إنّ بعض من صحّح الكتب الّتي نقلت الرّسالة أعلاه ـ والمكذوبة حسب قناعاتنا ـ قد نصّ في تعليقاته على إنّ ولادة ابن بابِويه “الأب” كانت سنة: “260هـ” دون أن يبرز شاهداً على قوله هذا ودون أن يشير إلى التّناقض الحاصل أيضاً، وهذه من الغرائب الّتي لم أجد لها تفسيراً؛ إذ لم يذكر أحد من المتقدّمين سنة ولادة ابن بابويه “الأب” أصلاً.
#تنوير_عامّ: هناك ملاحظات كثيرة ـ حسب اتّجاهنا ـ حول هذا التّوقيع أصلاً وفصلاً تركناها إلى وقت آخر؛ فما هو المصدر الأصلي لهذه الرّسالة، وهل وردت في نسخة الاحتجاج الموجودة بين أيدينا أم لا، ومن هو المصدر الأوّل النّاقل لها… وغير ذلك من البحوث الّتي لا أجد حاجة في الوقت الحالي لذكرها بعد تداول هذه الرّسالة في كثير من المصادر المتوسّطة والمتأخّرة، وأتمنّى من المعلّقين أن لا يقحموها في تعليقاتهم؛ وينظروا للرّسالة من الحيثيّة الّتي نظر المقال لها دون غيرها من الحيثيّات الأخرى؛ لأنّنا سنثبت عن طريق هذه الحيثيّة كذب هذه الرّسالة أو التّوقيع وعدم واقعيّتها، أمّا باقي الأسئلة المُقلقة في نفس هذا التّوقيع فلها وقت آخر.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...