هل حقّاً زيارة الأربعين من علامات المؤمن؟!

8 ديسمبر 2016
2184
ميثاق العسر

#المشهور بين عموم الشيعة إنّ زيارة الأربعين من علامات المؤمن، وحينما تسألهم عن الدّليل ينقلون لك تلك الرواية الضعيفة اليتيمة التي رواها الشيخ الطوّسي عن الإمام العسكري “ع” من دون أن يذكر سندها رغم إنّ الفاصلة بينه وبين الإمام تقرب من المئتين سنة، والتي جاء فيها: «علامات المؤمن خمس صلاة الأحدى وخمسين [أو الخمسين] وزيارة […]


#المشهور بين عموم الشيعة إنّ زيارة الأربعين من علامات المؤمن، وحينما تسألهم عن الدّليل ينقلون لك تلك الرواية الضعيفة اليتيمة التي رواها الشيخ الطوّسي عن الإمام العسكري “ع” من دون أن يذكر سندها رغم إنّ الفاصلة بينه وبين الإمام تقرب من المئتين سنة، والتي جاء فيها: «علامات المؤمن خمس صلاة الأحدى وخمسين [أو الخمسين] وزيارة الأربعين والتختّم باليمين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم».
#ومثل هذه الرواية لا تصلح لإثبات الاستحباب على رأي مشهور الفقهاء المعاصرين؛ لأنّ الاستحباب حكم شرعيّ كباقي الأحكام الشرعيّة الأخرى، ويحتاج بطبيعة الحال إلى حجّة شرعيّة، وهذه الرواية لا توفّر ذلك، نعم لا شكّ في إن زيارة الحسين “ع” في كلّ يوم مستحبّة حسب ما فهم عموم الفقهاء من النصوص الروائيّة.
#سنغمض الطرف عن المشكلة السنديّة الجليّة في هذه الرواية وننتقل لطرح مناقشة من لون آخر، ونسأل هذا السؤال: هل كانت زيارة الأربعين واضحة وجليّة ومركوزة في أذهان الشيعة في زمن العسكري “ع” بحيث إنّ إطلاق مفردة الأربعين في ذلك الزّمان يوجب انصراف الذّهن إليها باعتبارها تميّز الشيعي عن غيره على حدّ بقيّة المميّزات الأخرى التي جاءت في الرواية إذا آمنا بكونها كذلك، إم إنّ هذا محض إسقاط للحاضر على الماضي؟!
#وفق الإحصائيّة الّتي قدّمها كتاب مسند الإمام العسكريّ الأبن “ع” فنحن لا نجد حين مراجعة تراثه في خصوص الزيارات المباشرة لقبور الأئمّة عموماً سوى رواية علامات المؤمن الآنفة الذكر، أمّا في تراث الإمام العسكري الأب “ع” فنجد هذه الرواية:
#دخل أحد أهالي ولاية الريّ حينها [طهران في الوقت الحاضر] على الإمام العسكري الأب “ع” يوماً فسأله الإمام: أين كنت [هذه الفترة]؟ فقال له: كنت في زيارة الحسين “ع”، فقال له الإمام: أمّا إنّك لو زرت قبر عبد العظيم [الحسني] عندكم كنت كمن زار الحسين بن علي “ع”». وهذه الرواية رواها الصدوق في ثواب الأعمال وابن قولويه عنه في كامل الزّيارات.
#أقول: لا شكّ في إن زيارة الحسين “ع” المطلقة كانت حاضرة بين الشيعة في تلك الأزمان، وقد دفع المؤمنون الغال والنفيس في سبيلها وتحمّلوا ما تحمّلوا من أجلها، أمّا زيارة الأربعين بخصوصها فيتعذّر وفقاً للمعطيات الروائيّة الصحيحة إثباتها؛ فإذا كانت هذه الزيارة بخصوصها شائعة ومعروفة وراكزة على كونها من علامات المؤمن الشيعي في أيّام العسكري “ع” فلماذا لا نجد لها حضوراً لا في نصوص العسكري ولا في نصوص آبائه وأجداده الطّاهرين “ع” سوى رواية يتيمة ضعيفة السند جاءت عن الصّادق “ع” فقط؟! إلا يشكّل جعل زيارة عبد العظيم الحسني بموازاة زيارة الحسين “ع” من حيث الأجر لمن هو قريب منه قرينة صارفة عن مثل هذا التّبادر، وداعية إلى ضرورة فهم عموم هذه النصوص في سياقاتها التي ولّدتها دون أن تحمّل إطلاقاً صالحاً لكلّ زمان ومكان؟!
#وأخيراً وكيف ما يكون: نتمنّى من جميع المشايخ والسّادة في عموم المناطق أن لا يُساهموا في تكريس ثقافة مغلوطة لا ترتكز على معطيات صحيحة بين الشباب، ولا تنتج في المحصّلة سوى جيلاً شيعيّاً إقصائيّاً يحصر الإيمان والخلوص في نفسه وينظر للآخر شزراً، نابذاً المحكمات القرآنيّة والروائيّة جانباً انسياقاً مع الضغط السياسي والطّائفي المعاصر، كما أدعو المؤمنين إلى زيارة الحسين “ع” في كلّ وقت وحين؛ فزيارته وتجديد العهد به ضرورة ملحّة على كلّ إنسان موالٍ ومخلص، ولكن مع مراعاة الواجبات الدينيّة والحياتيّة الأهمّ كما هي فحوى محكمات النصوص، والله الهادي إلى سبيل الصواب.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...