مُغنية وموسى الصّدر مشكلة وطنيّة عميقة!!

22 نوفمبر 2019
302
ميثاق العسر

#خطّ يراع المرحوم محمّد جواد مغنيّة المتوفّى سنة: “1400هـ” مقالاً هامّاً حمل عنوان: “الغزو من الدّاخل”، مقالاً يتحدّث عن ظاهرة خطيرة اجتاحت لبنان في زمانه، تتلخّص في: انتشار عمائم دخيلة على الوسط العلمي الحوزويّ يُهدف من خلالها إلى تدمير هذا الوسط والقضاء عليه وعلى تأثيره، والظّاهر ـ والله العالم ـ أنّ سبب صدور هذا المقال […]


#خطّ يراع المرحوم محمّد جواد مغنيّة المتوفّى سنة: “1400هـ” مقالاً هامّاً حمل عنوان: “الغزو من الدّاخل”، مقالاً يتحدّث عن ظاهرة خطيرة اجتاحت لبنان في زمانه، تتلخّص في: انتشار عمائم دخيلة على الوسط العلمي الحوزويّ يُهدف من خلالها إلى تدمير هذا الوسط والقضاء عليه وعلى تأثيره، والظّاهر ـ والله العالم ـ أنّ سبب صدور هذا المقال هو المرحوم موسى الصّدر والّذي كان للمرحوم مُغنيّة إشكاليّات عميقة على شخصه ومواقفه وتحرّكاته ومشاريعه ونواياه، وكانت التّقارير الأمنيّة الموثّقة قد أرسلت هذا المقال إلى مصادرها مقرّرة لهم: إنّ هذا المقال هو أحد فصول كتاب “تجارب محمّد جواد مغنيّة” الّذي ينوي الأخير طباعته قريباً، وكان قد أرسله ـ أعني المقال ـ إلى صحيفة الحياة لنشره، لكنّها تمنّعت عن ذلك بسبب علاقتها مع موسى الصّدر.
#وبغضّ الطّرف عن تقييمنا لأصل الخلاف بين مُغنيّة وموسى الصّدر وتفحّصنا لأسبابه ومبرّراته، لكنّ هذا المقال نعدّه جديراً بالتأمّل للغاية؛ لاحتوائه على حقائق ملموسة لا يمكن إنكارها، حقائق لا تختصّ بلبنان فقط، بل هي واقع ملموس جدّاً في واقعنا الإثني عشريّ خصوصاً في العراق، والّذي أصبح مرتعاً سهلاً لجميع القوى الدّوليّة والإقليميّة، على أنّ تقييم جهاز السّافاك الإيراني له يقرّر على أنّ المقال وإن كان يُعاني من عُقد نفسيّة حسب وصفه، لكنّه يحتوي على حقائق لا مرية فيها، لذا نجد من الّلازم استعراضه ومن ثمّ التّعليق المقتضب عليه، حيث قال:
#التحدّيات: تواجه اليوم الهيئات الدّينيّة ألواناً من التّحدّيات في كلّ مكان، ولكنّ علماء الشّيعة في لبنان يعانون هذه التّحدّيات بكلّ أنواعها وصنوفها، ويزيدون على سائر العلماء بنوعٍ جديد يهدف إلى تدميرهم والقضاء عليهم كعلماء لهم ما للعلماء من شأن، فبعد الفتنة الطّائفيّة والشّمعونيّة الكتابيّة، بين المسلمين والمسيحيّين بلبنان، انتشرت بين أبناء الشّيعة بالخصوص العمامة الكبرى المكوّرة المدوّرة انتشاراً سريعاً ومذهلاً!
#وكانت هذه العمامة إلى عهد قريب حجراً محجوراً إلّا على من قضى في دراسة العلوم الدّينيّة سنوات بالنّجف الأشرف. واليوم أصبحت العمامة المكوّرة مشاعاً لكلّ متطفّل ودخيل، ولكنّ الصّورة الأولى لهذه العمامة ما زالت هي المسيطرة على ذهنيّة السّواد الأعظم، وأنّ كلّ من لفّها وأدارها على رأسه فهو من علماء النّجف أو درس في النّجف على الأقل.
#الأصيل والدّخيل: شاء الله سبحانه وتعالى أن أعاصر جيلين من شيوخ العمائم، ولقد رأيت في الجّيل الأوّل من تشبّه بأهل العلم وليس منهم، ولكنّه نادر وقليل، ولا غرابة، فما من صنف إلّاوفيه أصيل ودخيل، حتّى النّقود المتداولة فيها الزّائف والسّليم، وإنّما الغرابة أن يكون الزّائف هو الأغلب والأكثر، كما هو الشّأن في الجيل الحالي الثّاني من شيوخ العمائم الّذين أدركوني، ورأيت فيهم التّدقّق والتّضخّم، وكيف تحوّل بهم الشّعار الدّينيّ إلى مهزلة.
#أدركت البقيّة الباقية من شيوخ الأوّلين،وكان فيهم أكثر من واحدٍ فقيهاً بلا اجتهاد، أو مجتهداً بلا فقه، كما أشرت، ولكن كان بينهم جميعاًعنصر مشترك، هو: الشّعور بالمسؤوليّة أمام الله والنّاس عمّا يحملون من شعار مقدّس، وأنّ هذا الشّعور يفرض على حامله حدوداً أو قيوداً يجب عليه مراعاتها والالتزام بها، وهذا العنصر المشترك بالذّات هو الّذي حفظ للسّلف كيانه واحترامه، وأبقى على هيبته وكرامته.
#أمّا الكثير من شيوخ الخلف فقد حملوا هذا الشّعار المقدّس دون أن يشعروا بأعبائه، ويلتزموا بواجبه، همّه الجهد والكسب من أيّ طريق، أمّا المتّقون فقليل ما هم، وكذلك أهل الاجتهاد والنّظر، ولقد لمست في بعض الطّلاب الّذين هجروا النّجف والدّرس مبكّرين، طاقة واستعداداً للاجتهاد المطلق، ولكنّهم ملّوا الطّريق فقطعوا السّير، وخلدوا إلى الكسل وراحة التّقصير، فحرموا أنفسهم من الفوز العظيم، ولله في خلقه شؤون.
#الأسباب والأهدف: فيما يلي نُشير إلى بعض الأسباب الموجبة، والأهداف المبتغاة لهذا التّضخّم العددي الكبير من شيوخ الجيل الجديد:
#أوّلاً: البطالة، والفشل في الحياة، يبحث بعض شباب الشّيعة الّلبنانيّين عن مصدر العيش فلا يجدونه، وإذا ضاقت بهم الحيل شدّوا الرّحال إلى النّجف، وكوّروا العمامة، وأطلقوا الّلحية على بابك يا كريم.
#ثانياً: الرّغبة في وظيفة قد ينالونها بواسطة زيّهم الدّينيّ، في سلك القضاء، الإفتاء أو التّدريس على الأقل.
#ثالثاً: ولعلّ الأهمّ والأخطر من السّببين الأوّلين، ضرب القطّاع الدّينيّ من داخله، ثمّ توجيهه حسب خطّة مدروسة الهدف، منها: تشويه مبادئ الإسلام، ومساعدة الإمبرياليّة الصّهيونيّة في ضرب حركات التّحرّر الوطني.
#والإسلوب المتّبع لذلك جديد قديم، ويتمّ بضخّ أكثر عدد من المعمّمين إلى سوق النّخاسة والعمالة؛ ليعملوا باسم الدّين، وإنّما في خدمة الأعداء والرّجعيّين.
#هذا هو الغزو من الدّاخل، وهو أحدث وأخبث أساليب الهدم والتّخريب، ويحقّق للغزاة أهدافهم بلا حرب حسام أو كلام، ويتمّ بالأقنعة والملابس التّنكريّة؛ فيختلط الحابل بالنّابل، والأصيل بالدّخيل، والوطنّي بالعميل، وتضيع القضيّة.
#لقد غُرّر ببعض البسطاء المؤمنين أن يلقوا ملابسهم التّقليديّة الّلائقة بهم وبأمثالهم، وأن يكوّروا العمامة الكبرى فوق رؤوسهم، ويظهروا بمظهر العلماء والفقهاء، فاستسلموا للإغراء وحبّ الظّهور، وغفلوا عن أنفسهم وعن قصد من غرّر بهم، ونعوذ بالله من عثرة الغفلة وسوء القصد.
#وعاتبت بعض هؤلاء على عمامته المزوّرة، فخجل واعتذر بأنّه قد حُمل عليها، وقلت له: لقد حملوك على الصّعب، وعرّضوك وكلّ معمّم لسخرية العابثين وضحك الهازئين، وفي نهج البلاغة: “هلك من ادّعى وخاب من افترى”، وعن الرّسول الأعظم: “من غشّ المسلمين فليس منهم”.
#كنت حاضراً أحد المجالس، وجرى حديث هذه العمائم والّلحى بين الحاضرين، فقال أحدهم: “أرادوا من هذه العمائم أن يرفعوا من شأن الطّائفة ويباهوا بها الأمم”، وقال آخر: “بل أرادوا بهذه العمائم أن يسترجعوا فلسطين، ويستردّوا حقوق الشّيعة المغتصبة، ويحصّنوا قرى الجنوب من غارات إسرائيل ويرووا الأرض بماء الّليطاني”، وقال أخبث الحاضرين: “بل أرادوا أن يُحيوا رجل الدّين وهو رميم”». [تجارب محمّد جواد مغنيّة: ص492].
#أقول: لا شكّ في أنّ الظّاهرة أعلاه والأقسام الّتي تحدّث المرحوم مغنيّة عنها لا تختصّ بلبنان الكريمة على الإطلاق، بل هي منتشرة في عموم بلداننا الشّيعيّة للأسف الشّديد وخصوصاً في العراق، وتعمد القوى الأقليميّة والدّوليّة لاستغلال الهشاشة الأمنيّة لبعض البلدان وحاجة أهلها الاقتصاديّة والثّقافيّة والدّينيّة فتزرع بعض العمائم أو تكبّرها بعد تزويدها بما يرفع العطش الظّاهري لمجتمعات هذه البلدان، وعن هذا الطّريق تؤسّس لحاضنة مجتمعيّة كبيرة لا يمكن زعزعتها ولو على المستوى البعيد، فتصبح هذه الدّول رهيناً لاستقرار وانتعاش تلك الدّول المؤثّرة فيها والحاكمة عليها، فتكون سلماً لسلمها، وحرباً لحربها، وغنى لغناها، وفقراً لفقرها، وهذه من أعظم البلاءات الّتي ابتليت بها الطّائفة في هذا العصر دون مراجعة وفحص وتنبيه لمخاطرها، فليُتفطّن كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...