كتاب (الشهيد الخالد) بين الواقع والأزمات المفتعلة

19 يونيو 2013
4176
ميثاق العسر

في خمسينات القرن المنصرم أثيرت في الأوساط الشيعية ضجّة كبيرة على كتاب (الشهيد الخالد) والذي كتبه باللغة الفارسية الشيخ نعمة الله صالحي نجف آبادي، فهل يمكن أن تضعونا في سياق هذه الضجّة وأسبابها؟


يعدّ كتاب (الشهيد الخالد) أو (شهيد جاويد) كما هو عنوانه الحقيقي باللغة الفارسية من الكتب الهامّة والجريئة في الواقع الديني؛ حيث تناول أهمّ واقعة لا خلاف في رمزيتها الشيعيّة والإنسانيّة ـ أيضاً ـ بالنقد والتحليل، وهي ثورة الحسين عليه السلام، وبغض النظر عن اتفاقنا معه في بعض القناعات واختلافنا معه في كثير منها إلا أن الزوبعة التي أثيرت حول هذا الكتاب لم تنطلق من رؤية عقلانيّة وقراءة فاحصة للكتاب، بل جاءت في سياق العواطف الجيّاشة التي وظّفها بعض أصحاب المنابر عند مخاطبتهم لعموم الناس، ولكي ندلّل على ذلك علينا أن نستعين بنصوص المصنّف الراحل في هذا الكتاب، وقبل كل هذا لابد من تقديم تصوّر عام عن الفكرة التي يريد أن يطرحها صاحب الكتاب.
هناك انطباع عامّ ـ مع إغماض النظر عن أسبابه ومن هو الذي ساهم في إيجاده ـ في الواقع الشيعي على أن ثورة الحسين عليه السلام استثنائيّة بكل المقاييس؛ حيث ترافقت معها منذ البداية وحتى النهاية مجموعة من الأحداث غير الطبيعيّة التي جعلت لرمزيتها حرارة أكثر، وبالتالي فإن التفسير الطبيعي والعادي لبعض مواقفها أشبه بالمستحيل وفق هذا الانطباع العام والقراءة المشهورة، وفي هذا السياق يريد صاحب الكتاب أن يقدّم قراءة أخرى للثورة الحسينيّة، يمكن لها أن تجيب على الكثير من الإشكالات التي قد ترد على الثورة الحسينيّة، وتسهم في إعطاء تفسير معقول لبعض المواقف والحركات فيها.
أمّا القراءات المطروحة في الثورة الحسينيّة فهي:
1ـ إن الحسين عليه السلام خرج ليستشهد هو وثلّة من أهل بيته وأصحابه، وتُسبى ذراريه ونسائه، من أجل إحياء الإسلام والإبقاء على مبادئه؛ وبذلك يحصل على أكبر جزاء من الله عزّ وجل وأعلى مرتبة من مراتب السعادة الأخرويّة.
2ـ إن لثورة الحسين وجهان، ظاهر وباطن، أما الظاهر فهو تشكيل خلافة إسلاميّة مقرّها الكوفة، وبتوسط هذه الخلافة يستطيع أن يطبق المبادئ الإسلاميّة ويحافظ عليها.
وأمّا الباطن: فهو كان يعلم أنه لا يصل إلى الكوفة وإنما يستشهد عليه السلام في كربلاء.
3ـ هناك باحثون منصفون رأوا أن خروج الحسين عليه السلام يعدّ ثورة إصلاحيّة لا محيد عنها، ومن هنا فقد نالت ثورته عليه السلام إعجاباً منقطع النظير.
4ـ أمّا المتطرفون فقد ذمّوا هذه الثورة، ونظروا إليها نظرة نقدية، وأنها شقّت عصا المسلمين، ولم يكن لحكومة بني أمية خيار غير مقارعتها بالسيف، انطلاقاً من الحديث النبوي الذي يروى عن النبي (ص): من أراد أن يفرّق أمر هذه الأمّة وهو جميع فاضربوه بالسيف كائناً من كان.
5ـ وهناك قراءة يعدّها الشيخ مصنف هذا الكتاب منسيّة في الوقت الحاضر، بينما يصفها أنها هي القراءة الصحيحة التي طرحها العلماء الكبار، كالمفيد والسيد المرتضى والطوسي والتي يريد مصنف هذا الكتاب أن يطرح تعميقاً وشواهد إقناع لها، لكنه يؤسس في بداية الأمر لنقطتين جوهريتين أظن أن وقوف القارئ عليهما سيجنبه الكثير من الأحكام القبلية أو المجانبة للصواب.
1ـ للنبي أو الإمام حيثيتان: حيثية ملكوتيّة؛ وحيثيّة بشرية.
أمّا الحيثيّة الملكوتيّة فالإمام يمتلك من خلالها مقامات عالية وشامخة لا يمكن للإنسان العادي أن يدركها، بل هم من هذه الحيثية كما يصفهم الأمير عليه السلام:
لكنهم من الحيثيّة البشرية يأكلون ويشربون، وكما يعبّر القرآن الكريم عن السيد المسيح وأمّه: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ- قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ- وَ أُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعام‏(1).
2ـ أودع الله عزّ وجلّ أقساماً متعدّدة من علم الغيب إلى النبي الأكرم (ص)، وهو بدوره علّم ذلك إلى الأئمة الذين من بعده عليهم السلام، بل جاء في بعض النصوص: أن الإمام يعلم ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، والحسين عليه السلام يمتلك هذه القوّة القدسية والإحاطة العلميّة.
3ـ وفقاً للنصوص القطعيّة فإن الرسول الأكرم (ص) تنبأ بحادثة استشهاد الحسين عليه السلام من ايام طفولته (ع)، وقد أبلغه الرسول بذلك، وهو أمرٌ مسلّم لا مريّة فيه، نعم وقع الكلام بين أعلام مدرسة أهل البيت في طبيعة هذا العلم، فهل كان (ع) يعلم بشهادته إجمالاً دون أن يعلم بوقتها تفصيلاً كما هو رأي الشيخ المفيد والسيد المرتضى والطوسي، أو أنه كان يعلم بها تفصيلاً، بل حتى وقتها وساعتها، كما هو رأي العديد من الأعلام؟
مصنف هذا الكتاب يقرّ بعموم هذه النقاط المتقدّمة، ويعتقد: أن الإمام الحسين عليه السلام يمتلك حيثيّة ملكوتية كما تقدّم تفصيلها، ويعتقد أنه عليه السلام يمتلك قوّة قدسيّة يمكنه من خلاله العلم بالغيب، ويعتقد أيضاً أن النبي أخبره بشهادته وتنبأ بها… نعم مع جميع هذه المعتقدات إلا أن مصنف هذا الكتاب يريد إغماض النظر عن جميعها ويريد أن يحلّل الثورة الحسينيّة وفقاً للمعطيات الطبيعيّة البشريّة، ويدعي أن هذه المعطيات هي التي سار عليها الحسين عليها السلام في ثورته، ومع البناء على أن الثورة الحسينيّة استثنائية فكيف يمكن الاقتداء بها؟!
قال في مقدمة الكتاب: سيتضح لنا من خلال الشواهد والتحليل الذي نقدّمه في هذا الكتاب أن حركة سيد الشهداء ـ مضافاً إلى الحيثية الإلهية والسماويّة التي تمتلكها ـ حركة عقلانيّة وضرورية ولا مندوحة عنها من زاوية السنن العقليّة والاجتماعيّة، وإذا أردنا أن نغض الطرف عن حيثية الإمامة التي يمتلكها صاحبها فإنها من وجهة نظر أي سياسي ماهر وفطن تعدّ من أحكم الثورات وأكثرها واقعية(2).
ويقول في مكان آخر: إن الإمام الحسين عليه السلام يتحدّث تارة عن التفكير في بناء الدوّلة الإسلامية وتكوينها، فيقرّر قائلاً: نحن أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء، ويتحدّث تارة أخرى: عن الانصراف فيقول: دعوني أنصرف إلى مأمني، لكنّا نراه ثالثة يعزف على لحن الشهادة بالقول: إني لا أرى الموت إلا سعادة… كيف يمكن الجمع بين هذه الأمور الثلاثة، وهل يمكن أن يسعى الإمام عليه السلام في نفس الوقت: لتكوين الحكومة الإسلامية، وللانصراف وترك هذا الأمر، وللشهادة أيضاً؟!
وللإجابة عن هذا الاستفهام نقول: إن الهدف الأوّل المتوخى للإمام عليه السلام في المرحلة الثانية من حركته(3) ـ مضافاً إلى رفض بيعة يزيد ـ هو تشكيل حكومة إسلاميّة قويّة كما هو مطمح رؤى الأحرار في العراق، وكسر سيادة الظلم والفساد وقلعها من الجذور، وبذلك ينجّي المسلمين ويحيي سنّة الرسول الأكرم (ص)… .
أمّا الهدف الثاني في المرحلة الثانية، أي بعد أن تضعضعت الأوضاع في العراق وتسلّط عبيد الله بن زياد على الكوفة؛ بحيث أدّى ذلك إلى عدم إمكانيّة الانتصار العسكري: فوجد الإمام نفسه مضطراً لدعوى الانصراف.
أمّا الهدف الثالث في المرحلة الثانية: فهو الشهادة؛ وذلك لأن الإمام عليه السلام بعد ما رأى إصرار عمّال حكومة يزيد على عدم قبول طلبه بالانصراف، وتيّقن أيضاً أن خضوعه يعني التعامل معه بذّلة ومهانة كما هو الأمر في مسلم بن عقيل، حينها كان الدفاع أمام هجوم الأعداء ضرورياً، فقدّم نفسه شهيداً بعزّ وافتخار.
فالانتصار العسكري هو الهدف الأوّل.
والصلح مع الكرامة هو الهدف الثاني.
الاستشهاد هو الهدف الثالث(4).
نعم؛ هذه هي الرؤية العامّة التي ينطلق منها هذا الكتاب، وهو حريّ بالقراءة والمطالعة؛ إذ يحمل في طيّاته العديد من التحليل والشواهد الهامّة التي تصب في سدى ولحمة الاتجاه الذي يتبناه صاحب هذا الكتاب، نتمنى من القرّاء الكرام مطالعة هذا الكتاب، خصوصاً مع قيام الدكتور سعد رستم بتعريب هذا الكتاب مؤخّراً.
ــــــــــــــ
(1) سورة المائدة، الآية: 75.
(2) حسين جاويد، مقدمة الكتاب، ص: 14.
(3) [يقسّم المصنف الثورة الحسينيّة وتحركات الإمام عليه السلام إلى مراحلة أربعة، ويضع الفترة الواقعة بين عزم الإمام (ع) للسفر إلى الكوفة إلى حين لقاءه بالحرّ بن يزيد الرياحي في إطار المرحلة الثانية].
(4) المصدر السابق، ص157ـ 159.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...