من معالم المنهج الاجتهاديّ المختار!!

9 يوليو 2019
25
ميثاق العسر

#ما فتئت مقالاتنا منذ فترة طويلة تمارس حفريّاتها لأساسات المقولات العقديّة والفقهيّة الإثني عشريّة بعناية ودقّة وظرافة وموضوعيّة بحسب ما تمتلك من إمكانيّات؛ لأنّها تعتقد إنّ ذلك هو: الطّريق الحصريّ الّذي سيحرّر معتنقيها من طوق التّقليد الّذي فرضته سياقات مذهبيّة معروفة، وسيفكّ إسارته من أغلال وأصفاد وشراك وأسلاك المذهبيّين الشّائكة، وبالتّالي يتمكّن بمرور الوقت من […]


#ما فتئت مقالاتنا منذ فترة طويلة تمارس حفريّاتها لأساسات المقولات العقديّة والفقهيّة الإثني عشريّة بعناية ودقّة وظرافة وموضوعيّة بحسب ما تمتلك من إمكانيّات؛ لأنّها تعتقد إنّ ذلك هو: الطّريق الحصريّ الّذي سيحرّر معتنقيها من طوق التّقليد الّذي فرضته سياقات مذهبيّة معروفة، وسيفكّ إسارته من أغلال وأصفاد وشراك وأسلاك المذهبيّين الشّائكة، وبالتّالي يتمكّن بمرور الوقت من استعادة وعيه المستباح ليبني دينه وعقيدته على أساس علميّ سليم.
#ولا شكّ في أنّ المتابع الجادّ والفاحص والمطّلع يعرف تماماً طبيعة هذه الحفريّات ومراميها وأهدافها، لكنّ من رانت على قلبه الجهالة والتّقهقر المذهبيّ لا يبذل ولا أدنى تأمّل في سبيل فهمها واستجلائها، فيبادر فوراً إلى المهاجمة وتكرار المكرّرات؛ ليس لشيء سوى التّشويش والتّهريج والافتراء المنطلق من فتاوى تستند إلى ما يُسمّى عندهم بصحيحة داود بن سرحان؛ لذا أجد نفسي مضطرّاً لاستباق المراحل المخطّط لها وتقديم إيضاحات تهدف إلى بيان بعض معالم المنهج الاجتهاديّ المختار في فهم مقامات الأئمّة الإثني عشر المعروفين وطبيعة الحجيّة المترتّبة على ذلك؛ استناداً إلى ما تقدّم ووضعاً لنقاطه على الحروف، فأقول:
#واحدة من أهمّ المشاكل العميقة في طريقة الفقهاء الإثني عشريّة حين تناولهم للنّصوص الرّوائيّة هي ما نصطلح عليه بـ: “عمليّات تحييث النّصوص الرّوائيّة”، بمعنى: أنّهم حينما يأتون إلى نصّ روائيّ يُريدون استنباط حكم شرعيّ فقهيّ منه تراهم يقتصرون على استقطاع ما يهمّ البحث الفقهيّ منه والاقتصار عليه فقط، من دون أن يكترثوا بأيّ حيثيّة أخرى حملها النّصّ نفسه بل ربّما جاء النّص لأجلها أساساً، وهذا الأمر وإن كان ينطلق من حيثيّات تدوينيّة بحتة تفرضها طبيعة العلوم، لكنّه يغفل بطبيعة الحال نتائج عقائديّة مهمّة جدّاً، تتصادم تمام التّصادم مع الرّوايات العقائديّة الّتي اُعتمد عليها في وضع أساسات المذهب البنيويّة.
#وإذا أردنا أن نقرّب الفكرة أعلاه بمثال بسيط فيمكن أن نأخذ الرّوايات الّتي تتحدّث عن عصيان الباقر أو الصّادق “ع” لأوامر آبائهم “ع” ومحاججتهم في حوادث مختلفة أنموذجاً، فنلاحظ: إنّ الفقهاء يقصرون نظرهم فيها على ذكر الحيثيّة الفقهيّة المطروحة في هذه النّصوص ويغضّون الطّرف عادة عن الحيثيّة الكلاميّة، وهذا ما نعتبره خطأً فادحاً؛ لأنّ هذه الحيثيّات المغفول عنها تُعدّ منجماً كبيراً تنعكس نتائجه بقوّة على الواقع العقائديّ المفروض.
#وعلى هذا الأساس: فإنّ المنهج الاجتهاديّ المختار يعتبر النّصوص الفقهيّة الكثيرة جدّاً هي الأساس الأوّل الّذي ينبغي أن تؤخذ منه طبيعة النّظرة العقائديّة للإمام الإثني عشريّ وطبيعة مقاماته؛ وذلك من خلال المقارنة بين طبيعة أجوبته على الاستفتاءات المقدّمة له ومقدار انسجامها واتقانها واتّزانها وجِدتها، وطبيعة حركاته وسكناته وأفعاله ونقولاته، والّتي حيّثها الفقهاء في استنباطاتهم الفقهيّة وأذهبوا بريق حيثيّاتها الأخرى ودلالاتها الصّارخة والعميقة.
#ولا يمكن بحال من الأحوال: أن نلغي هذه الحقائق المرويّة من خلال فلاتر كلاميّة وأصوليّة مذهبيّة تلغي العقل السّليم وتنحره من الوريد إلى الوريد من قبيل: التّقيّة؛ أو الجمع مهما كان أولى من الطّرح؛ أو ردّ علمها إلى أهلها… وغير ذلك من الفلاتر المذهبيّة المعروفة؛ لأنّنا لا نؤمن بصلاحيّة مثل هذه الفلاتر لمعالجة الأزمات الكبيرة الّتي تخلّفها الحيثيّات غير الفقهيّة الموجودة في هذه النّصوص الرّوائيّة.
#إن قلت: إنّ هذا الكلام لا معنى له بعد تواتر النّصوص الرّوائيّة على مقاماتهم الإلهيّة الإثني عشريّة والعرض العريض المشتقّ منها، وبالتّالي: فرفع اليد عن دلالات هذه الأخبار بخبر آحاد هنا أو هناك لا معنى له في سوق العلم؟!
#أقول: إنّ واحدة من أهمّ الأساسات الّتي ثبّتناها بعد الحفر العميق والممرحل هي: إنّ إمامة الإمام لا تثبت لا برواياته ولا بمرويّاته، وحينما يعرف المتابع النّابه هذا الأساس فلا معنى حينئذ لأن يأتي أحدٌ بعد مرور فترة طويلة على بداية عمليّات الحفر العميقة ليعيد علينا قصّة تواتر الرّوايات الدّالة على المقولة العقائديّة “صاد” أو المقام الإثني عشريّ “سين؛ فإنّ هذه النّصوص لا صلاحيّة لها عندنا للبرهنة على إثبات أساس تحقّق الشّيء والمعبّر عنه في الاصطلاح الفلسفيّ بـ “كان التّامة” أصلاً، وبالتّالي فهي ساقطة عن الاعتبار بالمطلق وإن تكثّرت طرقها أو نُحتت الأدلّة في سبيلها؛ إذ بيّنا مراراً عدم وجود إمكانيّة معرفيّة لإثبات مقام الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة أو غيرها أو أيّ اتّصال سماويّ للشّخص بصرف ادّعائه أو مراسيله؛ وذلك لمجموعة محاذير منطقيّة ورجاليّة تقدّم الحديث عنها مفصّلاً فلا نعيد.
#أمّا ما ورد في النّصوص الفقهيّة من دلائل وشواهد كثيرة جدّاً ناقضة لكلّ تلك المسلّمات العقائديّة فهي بمجموعها فوق حدّ التّواتر دون شكّ وريب وفقاً لمقاييسهم، ولا يمكن افتراضها أخبار آحاد لا تصلح لمعارضة ذلك الكمّ المتواتر؛ ولعلّ من يُراجع آحاد المسائل الفقهيّة المطروحة في المدوّنات الفقهيّة الإثني عشريّة ويلاحظ حجم التّناقض الحاصل فيها والأجوبة الرّوائيّة المختلفة لها لما خامره الشّك في ذلك، لكنّ هذا لن يتحقّق له قبل أن يرفع الفلاتر الكلاميّة الّتي تفرضها عليها مقولة: إنّ هذه الاختلافات مقصودة من أصحاب النّصوص وعلى المجتهد أن يسعى جاهداً لحلّها!!
#وعلى هذا الأساس: أتمنّى على من يُريد أن يعترض ويناقش الأفكار والمقالات المطروحة في هذه الدّراسات والمقالات أن يأخذ هذه الأصل بعين الاعتبار؛ بغية أن لا يكرّر المكرّرات دون جدوى تُذكر، وعليه أن يفتح بحثاً مستقّلاً في كيفيّة تجاوز هذه المعضلات والإشكالات الأساسيّة وفقاً للمنهج المتداول والسّائد في حوزاتنا العلميّة لإثبات الإمامة الإلهيّة الإثني عشريّة من غير طريق رواياتهم ومرويّاتهم، فليُتأمّل كثيراً كثيراً، والله من وراء القصد.
#ميثاق_العسر


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...