مشاغبات أرض الغريّ الفقهيّة!!

18 أغسطس 2017
1145
ميثاق العسر

#في سياق الحديث عن دعوى وجود أخبار ناصّة على إنّ الدّفن في النّجف مسقط لعذاب القبر وسؤال منكر ونكير كما صرّح بذلك معظم الفقهاء والمراجع المعاصرين في رسائلهم العمليّة، ومطالبتنا منهم بذكر رواية واحدة فقط من هذه الرّوايات الحاملة لهذا المضمون دون جدوى… أقول في هذا السّياق لفت نظري أمران غريبان: #الأوّل: يبدو إنّ المرجع […]


#في سياق الحديث عن دعوى وجود أخبار ناصّة على إنّ الدّفن في النّجف مسقط لعذاب القبر وسؤال منكر ونكير كما صرّح بذلك معظم الفقهاء والمراجع المعاصرين في رسائلهم العمليّة، ومطالبتنا منهم بذكر رواية واحدة فقط من هذه الرّوايات الحاملة لهذا المضمون دون جدوى… أقول في هذا السّياق لفت نظري أمران غريبان:
#الأوّل: يبدو إنّ المرجع المعاصر السيّد محمد سعيد الحكيم قد اطّلع على الأخبار الواردة في خصوص الدّفن في أرض الغري ولم يكن كغيره مقلّداً في نقل وجودها دون تفحّصها المباشر؛ وذلك لأنّه طالعنا في رسالته العمليّة بدعوى إنّ الأخبار قد تضمّنت إنّ الدّفن في جميع مشاهد المعصومين “ع” مسقط لسؤال منكر ونكير وليس في خصوص الغريّ فقط، وهذا يعني إنّه وقف على هذه الأخبار بشكل مباشر واطّلع عليها ورأى فيها إضافة المعصومين “ع” أيضاً إمّا تصريحاً أو استنباطاً واجتهاداً، وإلّا كيف أضاف لها جميع مشاهد المعصومين “ع” مع إنّ أصل العبارة المنسوبة للدّيلمي والّتي استند إليها عموم الفقهاء والمراجع المعاصرين خلت من ذلك؟!
#قال “حفظه الله” في رسالته العمليّة: «… يحسن النقل [الجّنائز] للبقاع الشريفة، كحرم مكة ومشاهد المعصومين “ع” وخصوصاً الغري والحائر الحسيني؛ فقد تضمّنت الأخبار أن من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر، وأن الدفن في الغري بل في جميع مشاهد المعصومين “ع” مسقط لسؤال منكر ونكير». [منهاج الصّالحين: ج1، ص110].
#وسؤالنا للمرجع الحكيم وحوارييه أيضاً هو التّالي: قرأنا رواية تتحدّث عن إنّ من دُفن في الحرم المكّي أمن من الفزع الأكبر وليس لنا علاقة فعلاً في تماميّة هذه الرّواية سنداً ودلالةً، ولكن هلّا أرشدتمونا إلى الأخبار الّتي رأيت فيها إنّ الدّفن في جميع أضرحة المعصومين “ع” مسقط لسؤال منكر ونكير، بل ولو رواية واحدة تقتصر على الغريّ أيضاً؟!
#إن قلت: إنّ المرجع محمد سعيد الحكيم استند إلى عبارة صاحب الجّواهر القائلة: «في بالي أنّي سمعت من بعض مشايخي ناقلًا له عن المقداد: أنّه قال: “قد تواترت [!!] الأخبار أنّ الدفن في سائر مشاهد الأئمة “ع” مسقط لسؤال منكر ونكير» [ج4، ص346].
#قلت: إنّ ظاهر العبارة من مرجع تقليد يكتب رسالة لعموم مقلّديه ويدّعي الأعلميّة على عموم المراجع المعاصرين إنّه قد راجع هذه الأخبار ورأى فيها هذا المعنى، أمّا أن يقلّد غيره حتّى في هذا الموضوع فهذا من الغرائب، والّلطيف إنّنا حينما نراجع عبارة المقداد في مصدرها الأصلي نجدها بالنّحو التّالي: «فلما تواتر من رفع العذاب الأخروي عن من يدفن بها فالعذاب الدنيوي أولى» [ج4، ص460]، وهذا يعني إنّ المرجع الحكيم مارس تقليداً مضاعفاً ومركّباً في هذه المسألة، وهذا من الغرائب!
#الثّاني: للمرحوم الخوئي تلميذ توفّي قبل شهور ودّفن بالقرب منه أيضاً اسمه المرحوم تقي الطّباطبائي القمّي، وقد قام هذا التّلميذ بكتابة شرح لمباني أستاذه الخوئي في رسالته العمليّة طبع تحت عنوان: مباني منهاج الصّالحين، وقد منحه الخوئي إجازة اجتهاد أيضاً… ما لفت نظري في هذا الكتاب هو ما يلي: بعد أن نصّ الخوئي في منهاجه قائلاً: «وفي بعض الروايات أن من خواصّ الأول [يعني الغري] إسقاط عذاب القبر ومحاسبة منكر ونكير» علّق تقي الطباطبائي بغية إرشاد القارئ إلى مبنى ومصدر هذه الفتوى قائلاً: «لاحظ ما روي عن أهل البيت “ع” أنّ من خواص تربته إسقاط عذاب القبر وترك محاسبة منكر ونكير للمدفون هناك» [ج2، 492]، وأرشد القارئ في الهامش إلى: بحار الأنوار، ج100، ص232، ذيل الحديث: 25‌.
#ويبدو إنّ المرحوم تقي الطّباطبائي لم يكن ملتفتاً إلى إنّ ما أرشد إليه في البحار هو العبارة المنسوبة زوراً إلى الدّيلمي والّتي اقتصر عليها المجلسي وهي: «ومن خواصّ تربته إسقاط عذاب القبر وترك محاسبة منكر ونكير للمدفون هناك، كما وردت به الأخبار الصحيحة عن أهل البيت “ع”»، ولا توجد ولا رواية واحدة في هذا المضمون على الإطلاق، والّلطيف: إنّ محقّقي البحار حينما رأوا العبارة أعلاه لم يجدوا حلّاً غير إرجاع القارئ إلى إرشاد الدّيلمي أيضاً لبيان مصدرها، ولله في خلقه شؤون وشؤون.


تنطلق إجابات المركز من رؤية مقاصدية للدين، لا تجعله طلسماً مطلقاً لا يفهمه أحد من البشرية التي جاء من أجلها، ولا تميّعه بطريقةٍ تتجافى مع مبادئه وأطره وأهدافه... تضع مصادره بين أيديها مستلّةً فهماً عقلانياً ممنهجاً... لتثير بذلك دفائن العقول...